تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
يَعني بقولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ومن أيِّ مكانٍ وبقعةٍ شَخَصْتَ فخرَجتَ يا محمدُ، فحوِّلْ (١) وجهَك تلقاءَ المسجدِ الحرامِ، وهو شطرُه.
ويَعني بقولِه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرضِ اللهِ، فولُّوا وُجوهَكم في صَلواتِكم تُجاهَه وقِبَلَهُ وقَصْدَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.
فقال جماعةٌ من أهلِ االتأويلِ: عَنى اللهُ بالناسِ في قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ أهلَ الكتابِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعني بذلك أهلَ الكتابِ، قالُوا حين صُرِف نبيُّ اللهِ إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ: اشتاقَ الرجلُ إلى بيتِ أبيه ودينِ قومِه (٢).
[— بداية ص ٢/ ٦٨٣، page_id=1591 —]
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعني بذلك أهلَ الكتابِ، قالوا حينَ صُرِف نبيُّ اللهِ إلى الكعبةِ: اشتاقَ الرجلُ إلى بيتِ أبيه ودينِ قومِه (١).
فإن قال قائلٌ: فأيَّةُ حُجَّةٍ كانت لأهلِ الكتابِ بصلاةِ رسولِ اللهِ وأصحابِه نحوَ بيتِ المقدسِ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه؟
قيل: قد ذكَرْنا فيما مضَى ما رُوِي في ذلك، قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هدَيناهم نحن! وقولَهم: يخالِفُنا محمدٌ في دينِنا ويتَّبعُ قبلَتَنا (٢)! فهي الحُجَّةُ التي كانوا يحتَجُّون بها على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، على وجهِ الخُصومةِ منهم لهم، والتَّمويهِ منهم بها على الجُهّالِ وأهلِ الغَباءِ (٣) من المشرِكين.
وقد بينَّا فيما مضَى أن معنى حِجاجِ القومِ إيّاه الذي ذَكَره اللهُ في كتابِه إنما هو (٤) الخُصوماتُ والجدالُ، فقطَع اللهُ ذلك من حُجَّتِهم وحسَمه، بتحويلِ قِبلةِ نبيِّه ﷺ والمؤمِنين به، من قِبلةِ اليهودِ إلى قِبلةِ خليلِه إبراهيمَ ﵇.
فذلك هو معنى قولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعني بـ"الناس"، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصَفْتُ، وأما قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فإنهم مشرِكو العربِ من قريشٍ، فيما تأوَّله أهلُ التأويلِ.