تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾.
يعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ.
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعنى: إبراهيمَ وإسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ (٣).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بمثلِه (٣).
وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أن الأُمةَ الجماعةُ (٤).
فمعنى الآيةِ إذن: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين يُجادِلُونك في اللهِ من اليهودِ والنصارَى إن كَتَموا ما عندَهم من الشهادةِ في أمرِ إبراهيمَ ومَنْ سَمَّيْنا معه، وأنّهم
[— بداية ص ٢/ ٦١٥، page_id=1523 —]
كانوا مسلمِينَ، وزَعَمُوا أنّهم كانوا هودًا أو نصارَى، فكَذَبوا: إنّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ أمةٌ قد خَلَتْ؛ أى: مضَت لسبيلِها، فصارت إلى ربِّها، وخَلَت بأعمالِها، وإنما (١) لها (٢) عندَ اللهِ ما كانت (٣) كَسَبت من خيرٍ في أيامِ حياتِها، وعليها ما اكْتَسَبت من شرٍّ، لا ينفعُها غيرُ صالحِ أعمالِها، ولا يضرُّها غيرُ سَيِّئِها، فاعلَموا أيها اليهودُ والنصارَى ذلك، فإنَّكم إن كان هؤلاءِ -و (٤) هم الذين بهم تَفْتَخِرون وتزعُمون أن بهم تَرْجُون النجاة من عذابِ ربِّكم مع سيئاتِكم، وعظيمِ خطيئاتِكم- لا ينفعُهم عندَ اللهِ غيرُ ما قدَّمُوا من صالحِ الأعمالِ، ولا يضرُّهُمْ غيرُ سيِّئِها، فأنتم كذلك أَحْرَى ألا ينفعَكم عند اللهِ غيرُ ما قَدَّمْتُم من صالحِ الأعمالِ، ولا يضرُّكم غيرُ سَيِّئِها، فاحذَرُوا على أنفسِكم وبادِرُوا خروجَها بالتوبةِ وبالإنابةِ إلى اللهِ مما أنتم عليه من الكفرِ والضلالةِ والفِرْيةِ على اللهِ وعلى أنبيائِه ورسلِه، ودَعُوا الاتّكالَ على فضائلِ الآباءِ والأجْدادِ، فإنما لكم ما كسَبتم، وعليكم ما اكْتَسَبتم، ولا تُسألُون عمَّا كان إبراهيمُ وإسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباطُ يَعمَلون من الأعمالِ؛ لأن كلَّ نفسٍ قَدِمَتْ على اللهِ يومَ القيامةِ فإنما تُسألُ عما كسَبت وأَسْلَفت، دون ما أَسلفَ غيرُها.
القولُ في تأويلِ قوْلِه جل ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾: سيقولُ الجُهالُ من الناسِ، وهم اليهودُ وأهلُ النفاقِ. وإنما سمّاهم اللهُ ﷿ سفهاءَ؛ لأنهم سفِهوا الحقَّ،