تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الآيةُ نظيرةُ (١) الآيةِ الأُخْرى التي أخْبر اللَّهُ جلّ ثناؤُه فيها عن المنافقين بخِداعِهم اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ثم أكْذَبهم تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وأنهم بقيلِهم ذلك يُخادِعون اللَّهَ والذين آمنوا. وكذلك أخْبر عنهم في هذه الآيةِ أنهم يقولون للمؤمنين المصدِّقين باللَّهِ وكتابِه ورسولِه بألسنتِهم: آمنَّا وصدَّقنا بمحمدٍ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، خِداعًا عن دمائِهم وأموالِهم وذراريِّهم، ودرْءًا لهم عنها، وأنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدتِهم (٢) وأهلِ العُتُوِّ والشرِّ والخُبْثِ منهم، ومن سائرِ أهلِ الشركِ، الذين هم على مثلِ ما (٣) هم عليه من الكفرِ باللَّهِ وبكتابِه ررسولِه، وهم شَياطينُهم - وقد دلَّلنا فيما مضَى من كتابِنا (٤) على أن شياطينَ كلِّ شيءٍ مَرَدتُه - قالوا لهم. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: إنَّا معكم على دينِكم، وظُهراؤُكم على مَن خالَفكم فيه، وأولياؤُكم دونَ أصحابِ محمدٍ ﷺ، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ باللَّهِ وبكتابِه ورسولِه وأصحابِه.
كالذي حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثَنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. قال: كان رجالٌ من اليهودِ إذا لَقُوا أصحابَ النبيِّ
[— بداية ص ١/ ٣٠٧، page_id=487 —]
ﷺ أو بعضَهم، قالوا: إنَّا على دينِكم. وإذا خَلَوا إلى أصحابِهم، وهم شياطينُهم، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ، مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. قال: إذا خَلَوا إلى شياطينهم من يهودَ، الذين يأمُرونهم بالتكذيبِ وخلافِ ما جاء به الرسولُ، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، أي: إنَّا على مثلِ ما أنتم عليه، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، و (٣) عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: أما شياطينُهم، فهم رُءُوسُهم في الكفرِ (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ (٥)، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أي: رُؤَسائِهم وقادتِهم في الشرِّ، قالوا: