تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. الفريقَ مِن أحبارِ يهودَ وعلمائِها الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم نبَذوا كتابَه الذي أنزَله إلى (١) موسى وراءَ ظهورِهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالِمون، كأنهم لا يعلَمون، فأخبَر عنهم أنهم رفَضوا كتابَه الذي يعلَمون أنه تنزِيلٌ (٢) مِن عندِه على نبيِّه [موسى صلواتُ اللهِ عليه] (٣)، ونقَضوا عهدَه الذي أخَذه عليهم في العملِ بما فيه، وآثَروا السحرَ الذي تلَتْه الشياطينُ في ملكِ سليمانَ بنِ داودَ صلى اللهُ عليه فاتَّبَعوه، وذلك هو الخَسارُ والضلالُ المبينُ.
واختلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ ﵎ بذلك اليهودَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأنهم خاصَموا رسولَ اللهِ ﷺ بالتوراةِ، فوجَدوا التوراةَ للقرآنِ موافقةً، تأمُرُ مِن اتباعِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه بمثلِ الذي يأمُرُ به القرآنُ، فخاصَموه بالكتبِ التى كان الناسُ اكتتَبوها مِن الكهنةِ على عهدِ سليمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (٤). قال: كانت الشياطينُ تصعَدُ إلى السماءِ
[— بداية ص ٢/ ٣١٤، page_id=1222 —]
فتقعُدُ منها مقاعدَ للسمعِ، فيستمِعون مِن كلامِ الملائكةِ فيما يكونُ في الأرضِ مِن موتٍ أو غيثٍ (١) أو أمرٍ، فيأتون الكهنةَ فيُخبِرونهم، فتحدِّثُ الكهنةُ الناسَ فيجِدونه كما قالوا، حتى إذا أمِنَتْهم الكهنةُ كذَبوا لهم، فأدخَلوا فيه غيرَه، فزادُوا مع كلِّ كلمةٍ سبعينَ كلمةً، فاكتتَب الناسُ ذلك الحديثَ في الكتبِ، وفَشا في بنى إسرائيلَ أن الجنَّ تعلَمُ الغيبَ، فبعَث سليمانُ في الناسِ فجمَع تلك الكتبَ، فجعَلها في صندوقٍ، ثم دفَنها تحتَ كرسيِّه، ولم يكنْ أحدٌ مِن الشياطينِ يستطيعُ أن يدنُوَ مِن الكرسىِّ إلا احتَرق، وقال: لا أسمَعُ أحدًا يذكُرُ أن الشياطينَ تعلَمُ الغيبَ إلا ضرَبتُ عنقَه. فلما مات سليمانُ وذهَبتِ العلماءُ الذين كانوا يعرِفون أمرَ سليمانَ، وخلَف بعد ذلك خَلْفٌ، تمثَّل شيطانٌ (٢) في صورةِ إنسانٍ، ثم أتَى نفرًا مِن بنى إسرائيلَ فقال لهم (٣): هل أدلُّكم على كنزٍ لا تأكُلونه (٤) أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفِروا تحتَ الكرسىِّ، وذهَب معهم فأَراهم المكانَ، وقام ناحيةً، فقالوا له: فادْنُ. قال: لا، ولكنِّى هاهنا في أيديكم، فإن لم تجِدوه فاقتُلونى. فحفَروا فوجَدوا تلك الكتبَ، فلمَّا أخرَجوها قال الشيطانُ: إن سليمانَ إنما كان يضبُطُ الإنسَ والشياطينَ والطيرَ بهذا السحرِ. ثم طار فذهَب، وفَشا في الناسِ أن سليمانَ كان ساحرًا، واتَّخَذتْ بنو إسرائيلَ تلك الكتبَ، فلمَّا جاء محمدٌ خاصَموه بها، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٥).