Commentaries: 3 shown of 14 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ اللهُ مَن سَلَك قصدَ المحجَّةِ، واهتدى لسبيلِ الرشدِ، فآمَن بربِّه، وصدَّق بآياتِه، فعمِلَ بما أمرَه اللهُ به، وانتهى عما نهاه عنه ﴿هُدًى﴾ بما يتجدَّدُ له من الإيمانِ بالفرائضِ التي يَفْرِضُها عليه، [والأعمالِ التي يُوجبها عليه، فيُصدِّقُ بوجوبِها عليه] (١)، ويُقرُّ بلزومِ فرضِها إياه، ويعملُ بها، فذلك زيادةٌ من اللهِ تعالى ذكرُه في اهتدائِه بآياتِه هدًى على هداه. وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك: ويزيدُ اللهُ الذين اهتدَوا هدًى بناسخِ القرآنِ ومنسوخِه، فيؤمنُ بالناسخِ، كما آمَن قبلُ بالمنسوخ، فذلك زيادةُ هدىً من اللهِ له على هُداه من قبلُ.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: والأعمالُ التي أمَر الله بها عبادَه ورضِيها منهم، الباقياتُ لهم غيرُ الفانياتِ الصالحاتُ، خيرٌ عندَ ربِّك جزاءً لأهلِها، وخَيْرٌ مَرَدًّا عليهم من مقاماتِ هؤلاءِ المشركين باللهِ، وأندِيتِهم التي يَفْتَخِرون بها على أهلِ الإيمانِ في الدنيا.
وقد بيَّنا معنى الباقياتِ الصالحاتِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، ودلَّلْنا على الصوابِ من القول فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضع (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عمرُ (٣) بنُ راشدٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، قال: جلَس
لما ذكر تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هدى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة].
وقوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قد تقدم تفسيرها والكلام عليها وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف (١).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله ﷺ ذات يوم فأخذ عودًا يابسًا فحطَّ ورقه، ثم قال: "إن قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحانه الله، والحمد لله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهنَّ يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة". قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهلّلنَّ الله، ولأكبرنَّ الله، ولأسبحنَّ الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون (٢). وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن أبي الدرداء، والله أعلم، وهكذا وقع في سنن ابن ماجه من حديث أبي معاوية، عن عمر بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء … فذكر نحوه (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خبَّاب بن الأرت قال: كنت رجلًا قينًا (٤) وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾(٥). أخرجه
ص ٥/ ٢٥٦
صاحبا الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به، وفي لفظ البخاري: كنت قينًا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه … فذكر الحديث (١). وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: موثقًا (٢).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال خبَّاب بن الأرت: كنت قينًا بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل، فاجتمعت لي عليه دراهم فجئت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: إن رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطالبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالًا وولدًا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله مثله في القرآن، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾(٤)، وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل (٥).
وقوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قرأ بعضهم بفتح الواو من ولدًا، وقرأ آخرون بضمها (٦)، وهو بمعناه قال رؤبة:
الحمد لله العزيز فردًا … لم يتخذ من وُلدِ شيء ولدًا (٧)
وقال الحارث بن حلزة:
ولقد رأيت معاشرًا … قد ثمَّروا مالًا وولدا (٨)
وقال الشاعر:
فليت فلانًا كان في بطن أمه … وليت فلانًا كان ولد حمار (٩)
وقيل: إن الولد بالضم جمع، والولد بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ إنكار على هذا القائل: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ يعني: يوم القيامة؛ أي أعلم ماله
قوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ أي: في الكفر والعمى عن التوحيد فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ قال الزجاج: وهذا لفظ أمر، ومعناه الخبر، والمعنى: أن الله تعالى جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها. قال ابن الأنباري: خاطب الله العرب بلسانها، وهي تقصد التوكيد للخبر بذكر الأمر، يقول أحدهم: إِن زارنا عبد الله فلنكرمه، يقصد التّوكيد ع، وينبِّه على أني أُلزم نفسي إِكرامه ويجوز أن تكون اللام لام الدعاء على معنى: قل يا محمد: مَنْ كان في الضلالة فاللهم مدّ له في العمر مَدّاً. قال المفسرون:
ومعنى مدِّ اللهِ تعالى له: إِمهالُه في الغَيِّ. حَتَّى إِذا رَأَوْا يعني الذين مَدَّهم في الضلالة. وإِنما أخبر عن الجماعة، لأنّ لفظ «من» يصحّ للجماعة. ثم ذكر ما يوعدون فقال: إِمَّا الْعَذابَ يعني: القتل، والأسر وَإِمَّا السَّاعَةَ يعني: القيامة وما وُعدوا فيها من الخلود في النار فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً في الآخرة، أهم، أم المؤمنون؟ لأن مكان هؤلاء الجنّة، ومكان هؤلاء النار، وَيعلمون بالنصر والقتل من أَضْعَفُ جُنْداً جندهم، أم جند رسول الله ﷺ. وهذا ردٌّ عليهم في قولهم: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا.
قوله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً فيه خمسة أقوال: أحدها: ويزيد الله الذين اهتدَوا بالتوحيد إِيماناً. والثاني: يزيدهم بصيرةً في دينهم. والثالث: يزيدهم بزيادة الوحي إِيماناً، فكلما نزلت سورة زاد إِيمانهم. والرابع: يزيدهم إِيماناً بالناسخ والمنسوخ. والخامس: يزيد الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ. قال الزجاج: المعنى: إِن الله تعالى يجعل جزاءهم أن يزيدهم يقيناً، كما جعل جزاء الكافر أن يمدَّه في ضلالته.
قوله تعالى: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ قد ذكرناها في سورة الكهف «١» .
قوله تعالى: وَخَيْرٌ مَرَدًّا المردّ ها هنا مصدر مثل الردّ، والمعنى: وخيرٌ ردّاً للثواب على عامليها، فليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت.
قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا في سبب نزولها قولان:
(٩٦٧) أحدها: ما روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث مسروق عن خبَّاب بن الأرتِّ قال: كنت رجلاً قَيْنَاً، أي حداداً، وكان لي على العاص بن وائل دَيْن، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت، ثم تبعث. قال:
Footnotes are the editor's words, not the author's.