فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)
قوله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً أي: طريقا ثالثاً بين المَشْرِق والمَغْرِب حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ قال وهب بن منبه: هما جبلان منيفان في السماء، من ورائهما البحر، ومن أمامهما البلدان، وهما بمنقطَع أرض التُّرك مما يلي بلاد أرمينية. وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: الجبلان من قِبَل أرمينية وأذربيجان. واختلف القراء في «السدّين» فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح السين. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي بضمها. وهل المعنى واحد، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه واحد. قال ابن الأعرابي: كل ما قابلك فسَدَّ ما وراءه، فهو سَدٌّ، وسُدٌّ، نحو: الضَّعف والضُّعف، والفَقر والفُقر. قال الكسائي، وثعلب: السَّد والسُّد لغتان بمعنى واحد، وهذا مذهب الزجاج. والثاني: أنهما يختلفان.
وفي الفرق بينهما قولان: أحدهما: أن ما هو من فعل الله تعالى فهو مضموم، وما هو من فعل الآدميين فهو مفتوح، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو عبيدة. قال الفراء: وعلى هذا رأيت المشيخة وأهل العلم من النحويين. والثاني: أن السَّد، بفتح السين: الحاجز بين الشيئين، والسُدُّ، بضمها:
الغشاوة في العَيْن، قاله أبو عمرو بن العلاء.
قوله تعالى: وَجَدَ مِنْ دُونِهِما يعني: أمام السّدّ قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «يفقهون» بفتح الياء، أي: لا يكادون يفهمونه. قال ابن الأنباري: كقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ «٢» قال المفسّرون: وإن كانوا كذلك لأنهم لا يعرفون غير لغتهم. وقرأ حمزة، والكسائي: «يُفْقِهُون» بضم الياء، أراد: يُفْهِمُون غيرهم. وقيل: كلَّم ذا القرنين عنهم مترجِمون ترجموا.
قوله تعالى: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هما: اسمان أعجميان، وقد همزهما عاصم. قال الليث: الهمز لغة رديئة. قال ابن عباس: يأجوج رجل، وهما ابنا يافث بن نوح ﵇، فيأجوج ومأجوج عشرة
ص ٣/ ١٠٩
أجزاء، وولد آدم كلُّهم جزء، وهم شِبْر وشبران وثلاثة أشبار. وقال عليّ ﵁: منهم مَنْ طوله شِبْر، ومنهم من هو مُفْرِط في الطُّول، ولهم من الشَّعر ما يواريهم من الحَرِّ والبَرْد. وقال الضحاك: هم جيل من التُّرك. وقال السدي: التُرك سريّة من يأجوج ومأجوج خرجت تُغِير، فجاء ذو القرنين فضرب السَّد، فبقيت خارجه.
(٩٤٣) وروى شقيق عن حذيفة، قال: سألت رسول الله ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال:
«يأجوج أُمَّة، ومأجوج أُمَّة، كل أُمَّة أربعمائة ألف أُمَّة، لا يموت الرجُل منهم حتى ينظر إِلى ألف ذَكَر بين يديه من صُلْبه كُلٌّ قد حمل السلاح» قلت: يا رسول الله، صِفْهُم لنا، قال: «هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال الأرز» قلت: يا رسول الله: وما الأرز؟ قال: «شجر بالشام، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء وصنف منهم عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه، ويلتحف بالأخرى ولا يمرُّون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إِلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدّمتهم بالشّام، وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية» .
قوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ في هذا الفساد أربعة أقوال: أحدها: أنهم كانوا يفعلون فِعْل قوم لوط، قاله وهب بن منبِّه. والثاني: أنهم كانوا يأكلون الناس، قاله سعيد بن عبد العزيز. والثالث:
يُخرِجون إِلى الأرض الذين شَكَوْا منهم أيام الربيع، فلا يَدَعون شيئاً أخضر إِلا أكلوه، ولا يابساً إِلا احتملوه إِلى أرضهم، قاله ابن السائب. والرابع: كانوا يقتلون الناس، قاله مقاتل.
قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم:
«خَرجاً» بغير ألف. وقرأ حمزة، والكسائي: «خراجاً» بألف. وهل بينهما فرق؟ فيه قولان: أحدهما:
أنهما لغتان بمعنى واحد، قاله أبو عبيدة، والليث. والثاني: أن الخَرْجَ: ما تبرعت به، والخراج: ما لزمك أداؤه، قاله أبو عمرو بن العلاء. قال المفسرون: المعنى: هل نُخرج إِليك من أموالنا شيئاً كالجُعل لك؟
قوله تعالى: ما مَكَّنِّي وقرأ ابن كثير: «مكَّنَني» بنونين، وكذلك هي في مصاحف مكة. قال الزجاج: من قرأ: «مكَّنِّي» بالتشديد، أدغم النون في النون لاجتماع النونى. ومن قرأ: «مكَّنني» أظهر النونين، لأنهما من كلمتين، الأولى من الفعل، والثانية تدخل مع الاسم المضمر.
وفي الذي أراد بتمكينه منه قولان: أحدهما: أنه العِلْم بالله، وطلب ثوابه. والثاني: ما ملك من الدنيا. والمعنى: الذي أعطاني الله خير مما تبذلون لي.