تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾. يقولُ: ما لقائلي هذا القولِ - يعنى قولَهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ - ﴿بِهِ﴾ يعني: باللهِ، ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾.
والهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾. من ذكْرِ اللهِ، وإنما معنَى الكلامِ: ما لهؤلاء القائلين هذا القولَ باللهِ - أنه (٣) يجوزُ أن يكونَ له ولدٌ - من علمٍ، فلجهلِهم باللهِ وعظمتِه قالوا ذلك.
وقولُه: ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾. يقولُ: ولا لأسلافِهم الذين مضَوا قبلَهم على مثلِ الذي هم عليه اليومَ، كان لهم باللهِ وبعظمتِه علمٌ.
وقولُه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. اختلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدنيين والكوفيين والبصريين: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾. بنصبِ ﴿كَلِمَةً﴾. بمعنى: كبُرَت كلِمتُهم التي قالُوها كلِمةً. على التَّفسيرِ (٤). كما يُقالُ: نعم رجلًا عمرٌو، ونعمَ الرجلُ رجلًا قام، ونعمَ رجلًا قام.
ص ١٥/ ١٤٨
وكان بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ (١): نُصِبت ﴿كَلِمَةً﴾؛ لأنها في معنَى: أكْبِرْ بها كلمةً. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]. وقال: هي في النَّصبِ مثلُ قولِ الشاعرِ (٢):
ولقد عَلِمتِ إذا اللقاحُ تروَّحتْ … هَدَجَ الرِّئالِ تكبُّهنَّ شَمالا
أي: تَكُبُّهنَّ الرياحُ شمالًا. فكأنَّه قال: كبُرَت تلك الكلمةُ.
وذُكِر عن بعضِ المكِّيِّين أنه كان يقرَأُ ذلك: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ). رفعًا (٣). كما يُقالُ: عَظُم قولُك، وكَبُر شأنُك. وإذا قُرِئَ ذلك كذلك لم يكنْ في قولِه: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ). مُضمرٌ، وكان صفةً للكلمةِ.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾. نصبًا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ القرَأةِ عليها. فتأويلُ الكلامِ: عَظُمت الكلمةُ كلمةً تخرُجُ من أفْواهِ هؤلاء القومِ الذين قالوا: اتَّخَذَ اللهُ ولدًا، والملائكةُ بناتُ اللهِ.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: قولُهم: إن الملائكةَ بناتُ اللهِ (٤).
وقولُه: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: ما يقولُ هؤلاء القائِلون: اتَّخَذ اللهُ ولدًا. بقيلِهم ذلك إلا كذبًا وفريةً افتَرَوْها على اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا

