تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: واضْرِبْ يا محمدُ لهؤلاء المشرِكين باللَّهِ، الذين سألُوك أن تطرُدَ الذين يدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدون وجهَه، ﴿مَثَلًا﴾ مثلَ رجلينِ جعلنا لأحدهمَا (٢) بستانين (٣) مِن مِن كُرومٍ (٤)، ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾. يقولُ: وأطَفْنا هذَين البُستانَين بنخلٍ.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾. يقولُ: وجعَلْنا وسَطَ هذَين البُستانَين زرْعًا.
وقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾. يقولُ: كلا البستانين أطْعَم ثمَرَه وما فيه مِن الغُروسِ من النخلِ والكَرْمِ وصُنوفِ الزَّروعِ.
وقال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾. ثم قال: ﴿آتَتْ﴾. فوحَّد الخبرَ؛ لأنَّ "كلتا" لا تُفْرَدُ واحدتُها، وأصلُه "كلّ"، وقد تُفْرِدُ العربُ "كلتا" أحيانًا، ويذْهَبون بها وهى مفرَدةٌ إلى التثْنيةِ، قال بعضُ الرُّجّازِ في ذلك (٥):
ص ١٥/ ٢٥٨
في كِلْتِ (١) رِجْلَيْها سُلامَى (٢) واحِدَه … كلتاهما مَقْرُونةٌ بزَائِدَه
يُريدُ بـ "كلت" "كلتا". وكذلك تفعل بـ "كلتا" و "كِلَا" و "كلّ"؛ إذا أُضِيفَتْ إلى معرفةٍ وجاء الفعلَ بعدَهن (٣)، يُجْمَعُ ويُوحَّدُ.
وقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولم تَنْقُصْ من الأكلِ شيئًا، بل آتت ذلك تامًّا كاملًا، ومنه قولُهم: ظلَم فلانٌ فلانًا حقَّه، إذا بخَسَه ونقَصه. كما قال الشاعرُ (٤):
تظلَّمنى مالى كَذا ولَوَى يدِى … لَوَى يدَه اللَّهُ الذي هو غالِبُه
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. أي: لم تَنْقُصْ منه شيئًا.
وقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسيَّلْنا خلالَ هذَين البُسْتانَينْ نَهَرًا. يعنى: بينَهما وبينَ أشجارِهما نَهَرًا.

