تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. [يقولُ: لابثين فيه أبدًا] (١) خالدين، لا ينتقلُون عنه ولا يُنقَلُون.
ونصْبُ ﴿مَاكِثِينَ﴾ على الحالِ من قولِه: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. في (٢) هذه الحالِ، في حالِ مُكْثِهم في ذلك الأجرِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. أي: في دارِ خُلدٍ لا يموتون فيها، الذين صدَّقوك بما جِئتَ به عن اللهِ، وعمِلوا بما أمَرْتُهم (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا
[— بداية ص ١٥/ ١٤٧، page_id=10277 —]
كَذِبًا (٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويحذِّرُ (١) أيضًا محمدٌ القومَ الذين قالوا: اتَخَذَ اللهُ ولدًا من مشرِكي قومِه وغيرِهم، بأسَ اللهِ وعاجلَ نِقمَتِه وآجلَ عذابِه، على قيلِهم ذلك.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: يعنى قريشًا في قولِهم: إنما نعبُدُ الملائكةَ، وهنَّ بناتُ اللهِ (٢).
وقولُه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾. يقولُ: ما لقائلي هذا القولِ - يعنى قولَهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ - ﴿بِهِ﴾ يعني: باللهِ، ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾.
والهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾. من ذكْرِ اللهِ، وإنما معنَى الكلامِ: ما لهؤلاء القائلين هذا القولَ باللهِ - أنه (٣) يجوزُ أن يكونَ له ولدٌ - من علمٍ، فلجهلِهم باللهِ وعظمتِه قالوا ذلك.
وقولُه: ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾. يقولُ: ولا لأسلافِهم الذين مضَوا قبلَهم على مثلِ الذي هم عليه اليومَ، كان لهم باللهِ وبعظمتِه علمٌ.
وقولُه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. اختلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدنيين والكوفيين والبصريين: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾. بنصبِ ﴿كَلِمَةً﴾. بمعنى: كبُرَت كلِمتُهم التي قالُوها كلِمةً. على التَّفسيرِ (٤). كما يُقالُ: نعم رجلًا عمرٌو، ونعمَ الرجلُ رجلًا قام، ونعمَ رجلًا قام.