Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
ذُكِر أن يوسفَ صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه، لمَّا قال له إخوتُه: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ
ص ١٣/ ٣٢٧
يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. أدْرَكَتْه الرِّقَّةُ، وباح لهم بما كان يَكْتُمُهم (١) مِن شأنِه.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ذُكِر لي أنهم لمَّا كلَّموه بهذا الكلامِ غَلَبَتْه نفسُه، فارْفَضَّ دمعُه باكيًا، ثم باح لهم بالذي يَكْتُمُ منهم، فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. ولم يَعْنِ بذِكْرِ أخيه ما صنَعه هو فيه حين أخَذه، ولكن للتفريقِ بينَه وبين أخيه، إذ صنَعوا بيوسفَ ما صنَعوا (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ الآية. قال: فرحِمهم عند ذلك، فقال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾(٣).
فتأويلُ الكلامِ: هل تَذْكُرون ما فعَلْتم بيوسفَ وأخيه إذ فرَّقْتُم بينَهما، وصَنَعْتم ما صنَعْتم، ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. يعنى في حالِ جهلِكم بعاقبةِ ما تَفْعَلون بيوسفَ، وما إليه صائرٌ أمرُه وأمرُكم؟
يقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسفَ له حينَ قال لهم ذلك يوسفُ: ﴿أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾. فقال: نعم ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، بأن
يقول تعالى مخبرًا عن يوسف ﵇، أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء فتعرف إليهم، فيقال: إنه رفع التاج عن جبهته، وكان فيها شامة، وقال: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ يعني: كيف فرقوا بينه وبين أخيه ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ أي: إنما حملكم على هذا الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه، كما قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]، والظاهر - والله أعلم - أن يوسف ﵇ إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك، كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك، والله أعلم، ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر، فرج الله تعالى من ذلك الضيق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح] فعند ذلك قالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؟ وقرأ أُبي بن كعب (إنك لأنت يوسف) (٣)، وقرأ ابن محيصن (أنت يوسف) (٣)، والقراءة المشهورة هي الأولى، لأن الاستفهام يدل على الاستعظام، أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضًا، على قول من لم يجعلهم أنبياء، وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: أي لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم، ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم، ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
ص ٤/ ٥٣١
قال السدي: اعتذروا إلى يوسف فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: لا أذكر لكم ذنبكم (١).
وقال ابن إسحاق والثوري: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم (٢)، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: يستر الله عليكم فيما فعلتم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
يقول: اذهبوا بهذا القميص ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وكان قد عمي من كثرة البكاء، ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: بجميع بني يعقوب،
قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ في الكلام محذوف، تقديره: فخرجوا إِلى مصر، فدخلوا على يوسف، ف قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ وكان يسمُّون ملكهم بذلك، مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ يعنون الفقر والحاجة «١» وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ. وفي ماهية تلك البضاعة سبعة أقوال: أحدها: أنها كانت دراهم،
ص ٢/ ٤٦٧
رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنها كانت متاعاً رثّاً كالحبل والغرارة، رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس. والثالث: كانت أَقِطاً «١» ، قاله الحسن. والرابع: كانت نعالاً وأدَماً، رواه جويبر عن الضحاك.
والخامس: كانت سويق المُقْل، روي عن الضحاك أيضاً. والسادس: حبة الخضراء وصنوبر، قاله أبو صالح. والسابع: كانت صوفاً وشيئاً من سمن، قاله عبد الله بن الحارث. وفي المزجاة خمسة أقوال:
أحدها: أنها القليلة. روى العوفي عن ابن عباس قال: دراهم غير طائلة، وبه قال مجاهد، وابن قتيبة.
قال الزجاج: تأويله في اللغة أن التزجية: الشيء الذي يدافَع به، يقال: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، فالمعنى: جئنا ببضاعة إِنما ندافع بها ونتقوَّت، وليست مما يُتَّسع به، قال الشاعر:
أي: تدفع أطفالها. والثاني: أنها الرديئة، رواه الضحاك عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: إِنما قيل للرديئة: مزجاة، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها، قال: وهي من الإِزجاء، والإِزجاء عند العرب: السَّوق والدفع، وأنشد:
أي: تسوقه. والثالث: الكاسدة، رواه الضحاك أيضاً عن ابن عباس. والرابع: الرثّة، وهي المتاع الخَلَق، رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس. والخامس: الناقصة، رواه أبو حصين عن عكرمة.
قوله تعالى: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ أي: أتمه لنا ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا. قوله تعالى: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: تصدَّق علينا بما بين سعر الجياد والرديئة، قاله سعيد بن جبير، والسدي. قال ابن الأنباري: كان الذي سألوه من المسامحة يشبه التصدُّق، وليس به. والثاني: بردّ أخينا، قاله ابن جريج، قال: وذلك أنهم كانوا أنبياء، والصَّدَقَةُ لا تحل للأنبياء. والثالث: وتصدَّق علينا بالزيادة على حقِّنا، قاله ابن عيينة، وذهب إِلى أن الصدقة قد كانت تحل للأنبياء قبل نبيّنا ﷺ، حكاه عنه أبو سليمان الدمشقي، وأبو الحسن الماوردي، وأبو يعلى بن الفراء.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ أي: بالثواب. قال الضحاك: لم يقولوا: إِن الله يجزيك إِن تصدقت علينا، لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن.
قوله تعالى: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ في سبب قوله لهم هذا، ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أخرج إِليهم نسخة الكتاب الذي كتبوه على أنفسهم ببيعه من مالك بن ذعر، وفي آخر الكتاب: «وكتب يهوذا» فلمّا قرءوا الكتاب اعترفوا بصحته وقالوا: هذا كتاب كتبناه على أنفسنا عند بيع عبدٍ كان لنا، فقال يوسف عند ذلك: إِنكم تستحقون العقوبة، وأمر بهم ليُقتَلوا، فقالوا: إِن كنت فاعلاً، فاذهب بأمتعتنا إِلى يعقوب، ثم أقبل يهوذا على بعض إِخوته، وقال: قد كان أبونا متصل الحزن لفقد واحد من ولده، فكيف به إِذا أُخبر بهُلكنا أجمعين؟ فرقَّ يوسف عند ذلك وكشف لهم أمره، وقال لهم هذا القول، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنهم لما قالوا: (مسَّنا وأهلنا الضرُّ) أدركته
Footnotes are the editor's words, not the author's.