Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
أرغوا (١) بنِ فالغَ (٢)، وهي ابنةُ عمِّ إبراهيمَ، ﴿قَائِمَةٌ﴾. قيل: كانت قائمةً من وراءِ السِّترِ، تستمعُ كلامَ الرسلِ وكلامَ إبراهيمَ. وقيل: كانت قائمةً تخدُمُ الرسلَ، وإبراهيمُ جالسٌ مع الرسلِ.
وقولُه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾. اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾. وفي السببِ الذي مِن أجلِه ضَحِكت؛ فقال بعضُهم: ضَحِكت الضَّحكَ المعروفَ؛ تعَجُّبًا مِن أنها وزوجَها إبراهيمَ يَخدُمان ضِيفانَهم بأنفسِهما، تَكرِمةً لهم، وهم عن طعامِهم مُمسِكون لا يأكُلون (٣).
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: بَعَثَ اللَّهُ الملائكةَ لتُهْلِكَ قومَ لوطٍ، أقبَلَت تَمشي في صورةِ رجالٍ شبابٍ حتى نَزَلوا على إبراهيمَ، فتضيَّفُوه، فلما رَآهم إبراهيمُ أَجلَّهم، فراغَ إلى أهلِه فجاء بعجلٍ سمينٍ، فذَبَحه ثم شَواه في الرَّضْفِ، فهو (٤) الحَنيذُ حينَ شَواه، وأَتاهم فقعَد معهم، وقامَت سارَةُ تَخدُمُهم، فذلك حينَ يقولُ: (وامرأتُه قائمةٌ وهو جالسٌ). في قراءةِ ابنِ مسعودٍ، فلما قَرَّبه إليهم قال: ألا تأكُلون؟ قالوا: يا إبراهيمُ، إنا لا نأكُلُ طعامًا إلا بثمنٍ. قال: فإن لهذا ثَمَنًا، قالوا: وما ثَمنُه؟ قال:
تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
ابن كثيرd. 774 AHPrinted page: 4/ 458
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تنكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.
قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شُبَّان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجلهم ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ [الذاريات] فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم وقامت (سارة) تخدمهم، فذلك حين يقول: (وامرأته قائمة وهو جالس) (١) في قراءة ابن مسعود فقربه إليهم قال: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمنًا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلًا ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يقول: فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت (سارة) أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا (٢)!
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل [ورفائيل] (٣). قال نوح بن قيس: فزعم [عون بن أبي شداد] (٤) أنهم لما دخلوا على إبراهيم فقرَّب إليهم العجل مسحه جبريل بجناحه فقام، يدرج حتى لحق بأُمه وأُم العجل في الدار (٥).
وقوله تعالى إخبارًا عن الملائكة: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ أي: قالوا: لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارة استبشارًا بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس.
وقال قتادة: ضحكت وعجبت أن قومًا يأتيهم العذاب وهم في غفلة (٦).
وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: فضحكت، أي: حاضت (٧).
ص ٤/ ٤٥٩
وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط (١).
وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم (٢)، ضعيفان جدًا، وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم.
وهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق، كما قال في آية البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة].
ومن ههنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير؟ ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد.
﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ حكى قولها في هذه الآية كما حكى فعلها في الآية الأخرى فإنها ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ وفي الذاريات: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾، كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجيب
﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزًا عقيمًا وبعلك شيخًا كبيرًا، فإن الله على ما يشاء قدير ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود ممجد في صفاته وذاته.
ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد" (٤).
قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ واسمها سارة. واختلفوا أين كانت قائمة على ثلاثة أقوال:
أحدها: وراء الستر تسمع كلامهم، قاله وهب. والثاني: كانت قائمة تخدمهم، قاله مجاهد، والسدي. والثالث: كانت قائمة تصلي، قاله محمد بن إِسحاق.
وفي قوله: فَضَحِكَتْ ثلاثة أقوال «١» : أحدها: أن الضحك ها هنا بمعنى التعجب، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن معنى «ضحكت» حاضت، قاله مجاهد وعكرمة. قال ابن قتيبة:
وهذا من قولهم: ضحكت الأرنب: إِذا حاضت فعلى هذا: يكون حيضها حينئذ تأكيدا للبشارة بالولد.
لأن من لا تحيض لا تحمل. وقال الفراء: لم نسمع من ثقة أن معنى (ضحكت) حاضت. قال ابن الأنباري: أنكر الفراء، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، أن يكون «ضحكت» بمعنى حاضت وعرفه غيرهم. قال الشاعر:
تَضْحَكُ الضَّبْعُ لقَتْلى هُذَيْلٍ ... وَتَرَى الذِّئْبَ لها يَسْتَهِلُّ «٢»
قال بعض أهل اللغة: معناه: تحيض «٣» .
والثالث: أنه الضحك المعروف، وهو قول الأكثرين.
وفي سبب ضحكها ستة أقوال: أحدها: أنها ضحكت من شدة خوف إِبراهيم من أضيافه، وقالت: من ماذا يخاف إِبراهيم، وإِنما هم ثلاثة، وهو في أهله وغلمانه؟! رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثاني: أنها ضحكت من بشارة الملائكة لإِبراهيم بالولد، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، ووهب بن منبه فعلى هذا، إِنما ضحكت سروراً بالبشارة، ويكون في الآية تقديم وتأخير، المعنى: وامرأته قائمة فبشرناها فضحكت، وهو اختيار ابن قتيبة. والثالث: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، قاله قتادة. والرابع: ضحكت من إِمساك الأضياف عن الأكل، وقالت:
عجباً لأضيافنا، نخدمهم بأنفسنا، وهم لا يأكلون طعامنا! قاله السّدّيّ. والخامس: ضحكت سرورا
ص ٢/ ٣٨٧
بالأمن، لأنها خافت كخوف إِبراهيم، قاله الفراء. والسادس: أنها كانت قالت لإِبراهيم: اضمم إِليك ابن أخيك لوطاً، فانه سينزل العذاب بقومه، فلما جاءت الملائكة بعذابهم، ضحكت سروراً بموافقتها للصواب، ذكره ابن الأنباري.
قال المفسرون: قال جبريل لسارة: أَبْشِري أيتها الضاحكة بولد اسمه إِسحاق، وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ، فبشروها أنها تلد إِسحاق، وأنها تعيش إِلى أن ترى ولد الولد. وفي معنى الوراء قولان:
أحدهما: أنه بمعنى «بعد» ، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره مقاتل، وابن قتيبة. والثاني: أن الوراء: ولد الولد، روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال الشعبي، واختاره أبو عبيدة. فان قيل: كيف يكون يعقوب وراء إِسحاق وهو ولده لصلبه، وإِنما الوراء: ولد الولد؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: المعنى: ومن وراء المنسوب إِلى إِسحاق يعقوب، لأنه قد كان الوراء لإِبراهيم من جهة إِسحاق، فلو قال: ومن الوراء يعقوب، لم يُعلم أهذا الوراء منسوب إِلى إِسحاق، أم إِلى إِسماعيل؟ فأضيف إِلى إِسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس. قال: ويجوز أن ينسب ولد إِبراهيم من غير إِسحاق إلى سارة على جهة المجاز، فكان تأويل الآية: من الوراء المنسوب إِلى سارة، وإلى إِبراهيم من جهة إِسحاق، يعقوب. ومن حمل الوراء على «بعد» لزم ظاهر العربية.
واختلف القراء في «يعقوب» ، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «يعقوبُ» بالرفع. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: يَعْقُوبَ بالنصب.
قال الزجاج: وفي رفع «يعقوب» وجهان: أحدهما: على الابتداء المؤخَّر، معناه التقديم والمعنى: ويعقوبُ يَحْدُثُ لها من وراء إِسحاق. والثاني: وثبت لها من وراء إِسحاق يعقوبُ.
ومن نصبه. حمله على المعنى، والمعنى: وهبنا لها إِسحاقَ، ووهبنا لها يعقوبَ.
قوله تعالى: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ هذه الكلمة تقال عند الإِيذان بورود الأمر العظيم. ولم تُرِد بها الدعاء على نفسها، وإِنما هي كلمة تخفُّ على ألسنة النساء عند الأمر العجيب. وقولها: أَأَلِدُ استفهام تعجّب. قال الزّجّاج: وشَيْخاً منصوب على الحال. قال ابن الأنباري: إِنما أشارت بقولها هذا لتنبِّه على شيخوخيَّته. واختلفوا في سن إِبراهيم وسارة يومئذ على أربعة أقوال «١» : أحدها: أنه كان إِبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، وسارة بنت ثمان وتسعين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه كان إِبراهيم ابن مائة سنة، وسارة بنت تسع وتسعين، قاله مجاهد. والثالث: كان إِبراهيم ابن تسعين، وسارة مثله، قاله قتادة. والرابع: كان إِبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وسارة بنت تسعين، قاله عبيد بن عمير، وابن إسحاق.
Footnotes are the editor's words, not the author's.