Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أيُّها القومُ، إذا جاء أمرُ اللَّهِ، مَن الهالكُ؟ ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾. يقولُ: الذي يأتيه عذابُ اللَّهِ مِنَّا ومنكم يُهِينُه ويُذِلُّه، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. يقولُ: وينزِلُ به في الآخرةِ مع ذلك، عذاب دائمٌ لا انقطاعَ له، مقيمٌ عليه أبدًا.
وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾. يقولُ: ويصنَعُ نوحٌ الفلكَ حتى إذا جاء أمرُنا الذي وعدناه أن يجيءَ قومَه، مِن الطوفانِ الذي يُغْرِقُهم.
وقولُه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: انْبجَسَ الماءُ مِن وجهِ الأرضِ، وفارَ التنورُ، وهو وجهُ الأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا العوامُ بنُ حوشبٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: التنورُ وجهُ الأرضِ. قال: قيل له: إذا رأيتَ الماءَ على وجهِ الأرضِ فاركَبْ أنت ومَن
[— بداية ص ١٢/ ٤٠٢، page_id=8475 —]
اتَّبَعَك (١). قال: والعربُ تُسمِّي وجهَ الأرضِ تَنُّورَ الأرضِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن العوامِ، عن الضحاكِ بنحوِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبرَنا الشيبانيُّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال: وجهُ الأرضِ (٣).
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الشيبانيِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾. قال (٤): وجهُ الأرضِ.
وقال آخرون: هو تنويرُ الصبحِ. من قولِهم: نَوَّرَ الصبحُ تَنْويرَا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ (٥)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن زيادٍ (٦) مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ - رضي الله
تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
ابن كثيرd. 774 AHPrinted page: 4/ 447
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
يوسف بن مهران، عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة فحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًا من ذلك التراب بكفه فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله. فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب.
قال له عيسى ﵇: أهكذا هلكت؟ قال: لا، ولكني متُّ وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت، قال؟ حدثنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاثة طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر روث الدواب أوحى الله ﷿ إلى نوح ﵇ أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بجوف السفينة يقرضها وحبالها أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر.
فقال له عيسى ﵇: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة، فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت.
قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت قال: فقلنا: يا رسول الله، ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال فقال له: عُد بإذن الله فعاد ترابًا (١).
وقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: يهزءون به ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ الآية، وعيد شديد وتهديد أكيد
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: يهينه في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر أبدًا.
هذه موعدة من الله تعالى لنوح ﵇ إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة والهتَّان (٢) الذي لا يُقلَع ولا يَفتر، بل هو كما قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ [القمر].
وأما قوله: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ فعن ابن عباس التنور: وجه الأرض (٣). أي: صارت الأرض عيونًا
[— بداية ص ٤/ ٤٤٨، page_id=2307 —]
تفور حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء. وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.
وعن علي بن أبي طالب ﵁: التنور: فلق الصبح وتنوير الفجر (١)، وهو ضياؤه وإشراقه والأول أظهر.
وعن قتادة: عين بالجزيرة يقال لها: عين الوردة (٤). وهذه أقوال غريبة.
فحينئذٍ أمر الله نوحًا ﵇ أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين ذكرًا وأنثى.
فقيل: كان أول من أدخل من الطيور الدرة، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار، فتعلق إبليس بذنبه وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه، فجعل يقول له نوح ﵇: ما لك ويحك ادخل. فينهض ولا يقدر فقال: ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة، وذكر بعض السلف أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحُمَّى (٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه: وكيف تطمئن المواشي ومعها الأسد؟ فسلط الله عليه الحُمَّى، فكانت أول حُمَّى نزلت في الأرض، ثم شَكَوا الفأر فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها" (٦).
وقوله: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي: واحمل فيها أهلك، وهم: أهل بيته وقرابته إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه: (يام) الذي انعزل وحده وامرأة نوح، وكانت كافرة بالله ورسوله.
وقوله: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: من قومك ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي: نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا. فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسًا
قوله تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ هذا وعيد، ومعناه: فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية، ومن هو أحمد عاقبة. وقوله تعالى: مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي: يُذلُّه، وهو الغرق. وَيَحِلُّ عَلَيْهِ أي:
قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا فيه قولان: أحدهما: جاء أمرنا بعذابهم وإِهلاكهم. والثاني:
جاء عذابنا وهو الماء، ابتدأ بجنبات الأرض فدار حولها كالإِكليل، وجعل المطر ينزل من السماء كأفواه القرب، فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض هربا من الماء حتى اجتمعن عند السفينة، فحينئذ حمل فيها من كل زوجين اثنين.
قوله تعالى: وَفارَ التَّنُّورُ الفور: الغليان والفوَّارة: ما يفور من القِدْر، قاله ابن فارس.
قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال: التّنّور: اسم فارسيّ
[— بداية ص ٢/ ٣٧٣، page_id=967 —]
معرَّب لا تعرف له العرب اسماً غير هذا، فلذلك جاء في التنزيل، لأنهم خوطبوا بما عرفوا. وروي عن ابن عباس أنه قال: التنور، بكل لسان عربي وعجمي.
وفي المراد بهذا التنور ستة أقوال: أحدها: أنه اسم لوجه الأرض، رواه عكرمة عن علي ﵇. وروى الضحاك عن ابن عباس: التنور: وجه الأرض، قال: قيل له: إِذا رأيت الماءَ قد علا وجهَ الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا قول عكرمة، والزهري. والثاني: أنه تنوير الصبح، رواه أبو جحيفة عن عليّ ﵁. وقال ابن قتيبه: التنوير عند الصلاة. والثالث: أنه طلوع الفجر، روي عن علي أيضا، قال: «وفار التنور» : طلع الفجر. والرابع: أنه طلوع الشمس، وهو منقول عن علي أيضا. والخامس: أنه تنُّور أهله، روى العوفي عن ابن عباس قال: إِذا رأيت تنُّور أهلك يخرج منه الماء، فانه هلاك قومك. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أنه تنُّور آدم ﵇، وهبه الله لنوح، وقيل له: إذا فار الماء منه، فاحمل ما أمرت به. وقال الحسن: كان تنوراً من حجارة، وهذا قول مجاهد، والفراء، ومقاتل. والسادس: أنه أعلى الأرض وأشرفها «١» . قال ابن الأنباري: شُبهت أعالي الأرض وأماكنها المرتفعة لعلوها، بالتنانير.
واختلفوا في المكان الذي فار منه التنور على ثلاثة أقوال «٢» : أحدها: أنه فار من مسجد الكوفة، رواه حبّة العرني عن علي ﵇. وقال زِرُّ بن حُبَيش: فار التنور من زاوية مسجد الكوفة اليمنى.
وقال مجاهد: نبع الماء من التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته، وكان ذلك بناحية الكوفة. وكان الشعبي يحلف بالله ما كان التنور إِلا بناحية الكوفة. والثاني: أنه فار بالهند، رواه عكرمة عن ابن عباس.
والثالث: أنه كان في أقصى دار نوح، وكانت بالشام في مكان يقال له: عين وردة، قاله مقاتل.
قوله تعالى: قُلْنَا احْمِلْ فِيها أي: في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ. وروى حفص عن عاصم: «من كُلٍّ» بالتنوين. قال أبو علي: والمعنى: من كل شيء، ومن كل زوج زوجين، فحذف المضاف. وانتصاب «اثنين» على أنهما صفة لزوجين، وقد علم أن الزوجين اثنان، ولكنه توكيد. قال مجاهد: من كل صنف، ذكراً وأنثى. وقال ابن قتيبة: الزوج يكون واحداً، ويكون اثنين، وهو ها هنا واحد، ومعنى الآية: احمل من كل ذكر وأنثى اثنين. وقال الزجاج: المعنى: احمل زوجين اثنين من كل شىء، والزوج في كلام العرب يجوز أن يكون معه واحد، والاثنان يقال لهما: زوجان، يقال:
عندي زوجان من الطير، إِنما يريد ذكراً وأنثى فقط، وقال ابن الأنباري: إِنما قال «اثنين» فثنَّى الزوج، لأنه قصد قصْد الذكر والأنثى من الحيوان، وتقديره: من كل ذكر وأنثى. قوله تعالى: وَأَهْلَكَ أي:
وأحمل أهلك. قال المفسرون: أراد بأهله: عياله وولده. إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي: سبق عليه القول من الله بالإِهلاك. قال الضحاك: وهم امرأته وابنه كنعان.
Footnotes are the editor's words, not the author's.