تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
قال: ثني أبي، عن شعبة، عن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن فِرعونَ لما أدركه الغرقُ جعَل جبريلُ يَحشُو (١) في فِيه الترابَ خشيةَ أن يُغفرَ له
قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، عن عيسى بنِ المغيرةِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، أن جبريلَ ﵇ [قال: ما حسَدتُ أحدًا] (٢) مِن بنى آدمَ (٣) الرحمةَ إلا فرعونَ، فإنه حينَ قال ما قال خشيتُ أن تصلَ إلى الربِّ فأخَذتُ مِن حَمأةِ البحر وزَبدِه، فضرَبتُ به عينَيه ووجهَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: أخبَرنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عمرَ بنِ يعلى، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ ﵇: لقد حَشَوتُ فاه بالحَمأةِ مخافةَ أن تُدرِكَه الرحمةُ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُعرّفًا فرعونَ قُبحَ صَنيعه أيامَ حياتِه، وإساءتَه إلى نفسِه أيامَ صحتِه، بتمَادِيه ومعصيتِه ربَّه، حينَ فَزِعَ إليه فى حالِ حلولِ سَخَطِه به، ونُزُولِ
ص ١٢/ ٢٧٩
عقابِه به (١)، مُستَجِيرًا به من عذابِه الواقعِ به، لما ناداه وقد عَلَته أمواجُ البحرِ، وغَشِيته كُربُ الموتِ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ له، المُنقادين بالذلةِ له، المُعترِفين بالعبوديةِ: الآن تُقِرُّ للهِ بالعبوديةِ، وتستسلمُ له بالذلة، وتُخلص له الألوهةَ، وقد عصيتَه قبلَ نزولِ نِقمتَه بك، فأسخَطتَه على نفسِك، وكنتَ مِن المفسدين فى الأرضِ، الصادِّين عن سبيلِه؟ فهلَّا وأنت فى مَهَلٍ، وبابُ التوبةِ لك منفِتحٌ، أقررتَ بما أنت به الآن مُقِرٌّ؟.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لفرعونَ: فاليوم نجعَلُك على نَجوةٍ مِن الأَرضِ ببدنِك، ينظُرُ إليك هالكًا من كذَّب بهلاكِك؛ ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾. يقولُ: لتكون (٢) لمَن بعدَك مِن الناسِ عبرةً يعتَبِرون بك، فيَنَزجِرون عن معصيةِ اللهِ والكفرِ به، والسَّعي في أرضِه بالفسادِ.
والنَّجوةُ، الموضعُ (٣) المرتفعُ على ما حولَه مِن الأرضِ، ومنه قولُ أوسِ بنِ حجر (٤):
فَمَن بِعَقوتِه (٥) كَمَن بِنجوتِه … والمُستَكِنُّ كَمَن يَمشى بِقِرواحِ (٦)

