تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: الذين صَدَّقوا اللهَ ورسولَه، وما جاء به من عندِ اللهِ، وكانوا يَتَّقُون اللهَ (٢) بأداءِ فرائضِه، واجْتنابِ معاصيه.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: مِن نعتِ الأولياءِ. ومعنى الكلامِ: ألا إن أولياءَ الله الذين آمنوا وكانوا يَتَّقُون، لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزنون.
فإن قال قائلٌ: فإذ كان معنى الكلامِ ما ذكرتَ عندَك، أفي موضعِ رفعٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أم في موضعِ نصبٍ؟
قيل: في موضعِ رفعٍ، وإنما كان كذلك وإن كان مِن نعتِ الأولياءِ؛ لمَجيئِه بعدَ خبرِ الأولياءِ، والعربُ كذلك تفعلُ، خاصةً فى "إن" إذا جاء نعتُ الاسمِ الذى عَمِلَت فيه بعدَ تمامِ خبرِه، رَفَعوه فقالوا: إن أخاك قائمٌ الظريفُ (٣). كما قال اللهُ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨]، وكما قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ
ص ١٢/ ٢١٤
تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤].
وقد اختَلَف أهلُ العربيةِ فى العلَّةِ التي مِن أجلِها قيل ذلك كذلك، مع أن إجماعَ جميعِهم على أن ما قُلنا هو الصحيحُ مِن كلامِ العربِ، وليس هذا مِن مواضعِ الإبانةِ عن العِلَلِ التى من أجلِها قيل ذلك كذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: البُشْرَى مِن اللهِ فى الحياةِ الدنيا وفي الآخرةِ، لأولياءِ اللهِ الذين آمَنوا وكانوا يَتَّقُون.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في البُشْرَى التي بَشَّرِ اللهُ بها هؤلاء القومَ، ما هي؟ وما صفتُها؟
فقال بعضُهم: هى الرؤيةُ الصالحةُ يَراها الرجلُ المسلمُ أو تُرَى له، وفي الآخرةِ الجنةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن ذكوانَ، عن شيخٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال النبيُّ ﷺ: "الرُّؤيا الصالحةُ يَرَاها المؤمنُ أو تُرَى له" (١).

