Skip to content

شفاء الضرر بفهم التوكل والقضاء والقدر القضاء والقدر

شفاء الضرر بفهم التوكل والقضاء والقدر

أبو فيصل البدراني

Printed page ١٣

وسلم إلا هذان الحديثان كلاهما مروي من طريق أبي هريرة وهذا مبسوط في موضعه.

- وجه عدم إضافة الشر مفردا إلى الله تعالى:

من المعلوم المقطوع به أن الله تعالى هو خالق كل شيء، وأنه لا تكون حركة ولا سكنة إلا بإذنه ومشيئته، ولا يوجد في الكون إلا ما قدره وقضاه، فالشر مخلوق لله تعالى كما قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿الزمر:٦٢﴾. لكن الشر ليس إلى الله تعالى فهو ليس من أفعاله وإن كان من مفعولاته، وذلك أن الله إنما خلق الشر لحكم بالغة تترتب على وجوده، فخلقه وإيجاده له ليس شرا وإن كان هو في نفسه شرا. ولذا لا يضاف الشر إلى الله تعالى، بل إما أن يدخل في العموم كقوله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿الزمر:٦٢﴾. أو يضاف إلى سببه كقوله: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿الفلق:٢﴾. أو يحذف فاعله كقول مؤمني الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴿الجن:١٠﴾. ومن الثاني قول الخليل: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. ﴿سُورَةُ الشُّعَرَاءِ:٨٠﴾

قال شيخ الإسلام: وَاللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّهُ خَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا كَانَ فِعْلُهُ حَسَنًا مُتْقَنًا، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: ٧] وَقَالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ: ٨٨] فَلِهَذَا لَا يُضَافُ إِلَيْهِ الشَّرُّ مُفْرَدًا، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الْعُمُومِ، وَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إِلَى السَّبَبِ، وَإِمَّا أَنْ يُحْذَفَ فَاعِلُهُ. فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِ [اللَّهِ تَعَالَى]: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: ٦٢] وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [سُورَةُ الْفَلَقِ: ١، ٢] وَالثَّالِثُ كَقَوْلِهِ فِيمَا حَكَاهُ عَنِ الْجِنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [سُورَةُ الْجِنِّ: ١٠] وَقَدْ قَالَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: ٦، ٧] فَذَكَرَ أَنَّهُ فَاعِلُ النِّعْمَةِ، وَحَذَفَ فَاعِلَ الْغَضَبِ، وَأَضَافَ الضَّلَالَ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ الْخَلِيلُ [﵇] ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٨٠]، وَلِهَذَا كَانَ لِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، فَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُقْتَضِيَةِ لِلْخَيْرِ. وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الشَّرُّ فِي الْمَفْعُولَاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٩٨]. انتهى. وهذا من تمام الأدب مع الله تعالى في الخطاب بحيث لا يضاف إليه مفردا إلا أشرف قسمي أفعاله سبحانه.

قال ابن القيم ﵀: وأما المسألة الخامسة وهي أنه قال: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل المنعم عليهم كما قال المغضوب عليهم فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد، وفيه فوائد عديدة: إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن