Skip to content

ميزان العمل بيان أن الفتور عن طلب الإيمان به حماقة

ميزان العمل

أبو حامد الغزالي

Printed page ١٨٣

وأما الحسيات فأنكروا وجودها من خارج. ولكن أثبتوها على طريق التخيل في حالة النوم. ولكن النوم يتكدر بالتنبه، وذلك لا تكدر له بل هو على التأبيد. وزعموا أن ذلك يثبت لطائفة من المشغوفين بالمحسوسات، والذين التفات نفوسهم مقصور عليها، ولا يسمون إلى اللذات العقلية. وهذا لا يفضي إلى أمر يوجب فتوراً في الطلب، فإن الالتذاذ إنما يقع بما يحصل في نفس الإنسان من التأثر بالملموس والمنظور والمطعوم وغيره. والشيء الخارج سبب في حصول الأثر، وليست اللذة من الأثر الخارج بل من الأثر الحاصل عند حضور الخارج. فإذا أمكن حصول الأثر في النفس دون الشيء الخارج، كما في حالة النوم، فلا أرب في الشيء الخارج. وفرقة ثالثة ذهبوا إلى إنكار اللذة الحسية جملة، بطريق الحقيقة والخيال، وزعموا أن التخيل لا يحصل إلا بآلات جسمانية، والموت يقطع العلاقة بين النفس والبدن، الذي هو آلته في التخيل وسائر الاحساسات، ولا يعود قط إلى تدبير البدن بعد أن أطرحه، فلا يبقى له إلا آلام ولذات ليست حسية ولكنها أعظم من الحسية. فإن الإنسان في هذا العالم أيضاً ميله إلى اللذات العقلية، ونفرته عن الآلام العقلية أشد،