فتاوى واستشارات الإسلام اليوم
والذي يظهر لي أنه ينبغي أن يقتصر في الضرب بالدف على ما ورد النص به دون ما عداه، ومن أشهر ما ورد النص به، وهو محل اتفاق بين الفقهاء الضرب بالدف في الأعراس كما جاء ذلك في نص الفتوى.
ويلحق به أيضاً الضرب بالدف في الأعياد وعند قدوم الغائب لما جاء عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ؟ فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال:"دعهما، فلما غفل غمزتهما، فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق والحراب...." متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ:"يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا" متفق عليه.
وما جاء عن بريدة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، قال لها:"إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا" فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر وهي تضرب فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله ﷺ:"إن الشيطان ليخاف منك يا عمر ... "، رواه أحمد والترمذي وصححه.
ولم تذكر هاتان الحالتان في الفتوى المنشورة لأن الغرض كان ذكر الحكم العام لاستعمال الدف والاختصار بذكر أشهر ما ورد النص بجوازه وهو الضرب بالدف في حال النكاح، والتنبيه بهذا المثال على الاقتصار على ما جاء به النص.
وأما قول الأخ: إباحة النبي ﷺ واستخدامه بالعرس يدل على استثناء هذه الآلة من التحريم ولا يقتصر على العرس فالحادثة لا تخصص العام ... إلخ، فهو استدلال غير وجيه في هذه المسألة، لأن تحريم الغناء والدف عام، والترخيص بهما في الأعراس والأعياد وقدوم الغائب خاص ومستثنى من الأصل العام، فلا يصح أن يكون المستثنى أصلاً يقاس عليه غيره، بل يجب أن يقتصر على محل الرخصة، ويبقى ما عداه داخلاً في حيز العموم.
وطريقة الاستدلال التي ذكرها الأخ هي التي تمسك بها وسلكها من أباح الغناء، والمعازف، وهي لا شك طريقة خاطئة، فإباحة الغناء والدف في الأعياد والأعراس وقدوم الغائب على هيئة مخصوصة وصفة مخصوصة لا يكون مبيحاً للغناء بجميع أنواعه واللهو بجميع أدواته، وفي قول أبي بكر الصديق ﵁:"مزمارة الشيطان؟! " ما يدل أنه على علم سابق بأن الغناء والدف منهي عنهما، ولهذا بادر في الإنكار، فاحتاج النبي ﷺ أن يعلل لهذا الحكم المخالف لما تقرر من منع الغناء والدف بقوله:"إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا" وكذلك فيما يتعلق بموقف عمر ﵁ مع الجارية التي كانت تضرب بالدف بين يدي النبي ﷺ، والله أعلم.