فتاوى واستشارات الإسلام اليوم
-فإن منها ما يكون له علاقة بالأحكام كفتواهم وأقضيتهم، فإذا كنت سأعتمد على قول صحابي في مسألة لا نص فيها -على سبيل المثال-: فسأحتاط في نقدها وفق منهج نقد أحاديث النبي ﷺ، ولا بد من ذلك فيها، أما إذا كانت المسألة فيها نصٌ صحيح، فإن إيراد أقوال الصحابة بعد ذلك يكون استئناساً وتأكيداً لصحة فهمنا لذلك النص، فإن نقدنا ذلك الخبر بالاحتياط المذكور آنفاً فهو حسن، وإن لم نفعل ذلك فالأمر واسع، ولن نضر المسألة العلمية شيئاً، لورود النص فيها.
ومنها ما يكون من باب الأخبار التاريخية: كأخبار الفتوح والغزوات ونحوها، وهذه حكمهما حكم السيرة النبوية، فإذا جئنا لأخبار ما وقع بينهم في الفتنة، فواجب حينها أن تنقد بالاحتياط المذكور لأحاديث النبي ﷺ، ولا يجوز غير ذلك، وذلك اتّساقاً مع الضابط الكلّي الذي وضعناه آنفاً، وليس استثناءً -خارجاً عن القانون-، حيث إن أخبار الفتنة ليست أخباراً مجربةً لا ينبني عليها أحكام على أشخاص، بل هي أخبار إذا ذكرت لا بد أن تترك في النفوس أحكاماً على الأشخاص بالصواب أو الخطأ وربما بالعدالة أو الفسق عند بعض الأقوام، وهؤلاء الأشخاص الذين ستصدر عليهم تلك الأحكام هم أصحاب النبي ﷺ، ورضي الله عنهم أجمعين-، وهم من سبق لهم من الله -تعالى- ورسوله ﷺ الثناء والحكم بالعدالة، فلا بد من تمحيص تلك الأخبار، خاصة أنها أيضاً كانت مجالاً رحباً لأصحاب الأهواء وأمراض النفوس من أهل الغلّ والحقد على دين الله -تعالى-، وعلى أصحاب النبي ﷺ للتقوّل والافتراء.
على أنه يمكن أن نعامل الأخبار المتعلقة بالفتنة أو ما كان بنحوها بمنهج وسط، وهو أنه إذا ثبت عندنا بالمنهج الحديثي المحتاط أصل خبر من الأخبار أن نتمّم جوانب هذا الخبر بتفاصيل من بقية الأخبار، بشرط أن لا يكون في تفاصيل تلك الأخبار شيء يعارض الحكم الثابت لأصحاب النبي ﷺ من الخيرية والعدالة والفضل، وأن لا يعارض أصل الخبر الثابت أيضاً.
والمثال الواقعي لذلك: أنني كنت من سنوات كثيرة قد درست الأخبار الواردة في قصة خالد بن الوليد ﵁ مع مالك بن نويرة في حروب الردّة، وهي قصة شهيرة، نسج عليها الأفّاكون وأذنابهم من المستشرقين قصصاً شنيعة، فوجدت أن أحد الباحثين ردّ القصة بالكلية، وخرج بنتيجة، وهي: أن مالك بن نويرة كان مرتداً كافراً، وأنه قتل بسيف الشرع، مع أن مالك بن نويرة ﵁ لم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، وهذا هو الظاهر من شأنه.
وبعد دراسة أسانيد الخبر، تبين لي أنه لا يصح منها إلا إسناد واحد، أخرجه خليفة ابن خياط في تاريخه (١٠٥) ، يقول فيه ابن عمر ﵄: "قدم أبو قتادة على أبي بكر، فأخبره بمقتل مالك وأصحابه، فجزع من ذلك جزعاً شديداً، فكتب أبو بكر إلى خالد، فقدم عليه، فقال أبو بكر: هل يزيد خالد على أن يكون تأوّل فأخطأ؟ وردّ أبو بكر خالداً، وودى مالك بن نويرة، وردّ السبي والمال".