Skip to content

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم قلبي مليء بالغل والحقد فكيف الخلاص؟!

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Printed page ٢٠/ ٣٥٠

(٣) إن المسلم ينبغي له أن يتسامى عن الأخلاق الدنيئة، وعلى رأسها الغل والحقد، وأن يغلب عليه العفو والصفح، وقد أدَّب الله ﷿ رسوله ﷺ بقوله: "ولا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" [فصلت: ٣٤] (قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذا الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم) [الجامع لأحكام القرآن (١٥/٣١٤) ] .

وذلك الأمر ليس سهلاً أو يسيراً، فهو يحتاج إلى صدق ومجاهدة، ولذا جاء بعد الآية السابقة قوله تعالى: (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) [فصلت:٣٥] ، أي وما يلقى (هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة "إلا الذين صبروا" بكظم الغيظ واحتمال الأذى، "وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم" أي نصيب وافر من الخير. قاله ابن عباس) [الجامع لأحكام القرآن (١٥/٣١٦) ] .

وقد دعا النبي ﷺ أصحابه للتسامي والترفع، ابتغاء ما عند الله، فقال لهم: "ألا أدلكم على مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك" أخرجه أحمد (١٧٣٣٤) والبيهقي في الشعب (٨٠٨٠) ، وأصله في صحيح مسلم (٨١٤) .

وقد ضرب أبو بكر ﵁ نموذجاً رائعاً في العفو والصفح، فقد شقَّ عليه ما رُميتْ به ابنته عائشة أم المؤمنين ﵂ من الإفك، وشقَّ عليه أكثر أن يكون ممن خاض في الإفك مسطح بن أثاثة ﵁ وكان أبو بكر ﵁-ينفق عليه لقرابته منه وحاجته. فلما نزلت الآيات ببراءة عائشة ﵂ قال أبو بكر ﵁ والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً، ولا أنفعه بنفع أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، وأدخل عليها ما أدخل، فأنزل الله في ذلك: "ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" [النور:٢٢] ، فقال أبو بكر ﵁-والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً [تفسير الطبري (٩/٢٨٨) ] .

وما أجمل تلك المشاعر التي حملتها تلك الأبيات:

إني شَكوتُ لِظالِمي ظُلمي وَغَفَرتُ ذاكَ لَهُ عَلى عِلمِ

رَأَيتُهُ أَسدى إِلي يَداً لَما أَبانَ بِجَهلِهِ حِلمي

رَجَعت إِساءَته عَلَيه وَإِحساني فَآَب مُضاعَفا تَجرُمي

وَغَدوتُ ذا أَجرٍ وَمحمَدَةٍ وَغدا بِكَسب الذَمِ وَالإِثمِ

مازالَ يَظلِمُني وَأَرحَمَهُ حَتى بَكيت لَهُ مِنَ الظُلمِ

(٤) التحلي بالصفات التي يغلب على الظن أنها تسهم بقوة في إزالة الغل والحقد، ومن ذلك ما ما رُوي عن الرسول ﷺ: "تصافحوا يذهب عنكم الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء" [قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/١١) : وهذا يتصل من وجوه شتى، حسان كلها] .

ورُوي عنه ﷺ: "تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر". أخرجه الترمذي (٢١٣٠) .