Skip to content

دستور الأخلاق في القرآن جهد وترفق

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Printed page ٦٦٠

قالوا: دلنا على بيتك ومالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه، ففعل. ومن الواضح أن الواجب لم يكن ليقتضي هذا الذي فعل، ولكنها التضحية التي سجلها القرآن في محكم آياته، وهي تضحية مدحها رسول الله ﷺ حين قدم عليه صهيب بالمدينة وقال: "أبا يحيى، ربح البيع، ربح البيع" ١.

ولعلنا نعرف قصة الأخوين الجريحين في غزوة أحد، يحكي أحدهما القصة فيقول: شهدت مع رسول الله ﷺ أنا وأخ لي "أحدًا"، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو قلت لأخي، أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله, ﷺ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جرحًا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.

ولمحة أخرى ذات مغزى، فيما روي عن جندع بن ضمرة أنه كان شيخًا كبيرًا، فلما أمروا بالهجرة، وشدد عليهم فيها، مع علمهم بأن الدين لا حرج فيه، ولا تكليف بما لا يطاق -قال لبنيه: إني أجد حيلة، فلا أعذر، احملوني على سرير، فحملوه، فمات بالتنعيم، وهو يصفق يمينه على شماله، ويقول: هذا لك، وهذا لرسولك٢.

وإذن، فلم تكن وصية النبي ﷺ للضعفاء أن يوفروا جهدهم إلا رحمة بهم، فهو يريد أن يتفادوا بعثرة القوة، والجهد الضائع الضار. وهو يقصد