Skip to content

دستور الأخلاق في القرآن الجهد المبدع

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Printed page ٦١٥

مقعده من النار، أو من الجنة". قالوا: ألا نتكل؟ قال: "اعملوا، فكلٌّ ميسر" ١، ثم تلا قوله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٢.

هذه الدرجة الأولية من الجهد لا بد منها للأخلاقية، فهي روحها وجوهرها، فمن وضع نفسه في الدرجة الأدنى من ذلك مباشرة، فإنه يتخلى ويتنازل عن كرامته كإنسان. ولكي نستعمل تعبيرًا من تعبيرات النبي ﷺ نقول: إن عدم وجود هذه الدرجة الأولية لا يسمى ضعفًا، بل هو "عجز" حقيقي، وذلك وارد في قول الرسول ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" ٣.

بيد أن للجهد المبدع "معنًى ثانيًا"، وهو لا ينحصر في اختيار إرادي، أيًّا كان نوعه، بل في "اختيار صالح". ولا ريب أنه إذا كان بحثنا -على سبيل الافتراض- قد اتجه من قبل نحو الخير، فإن جميع الحلول التي نحصل عليها سوف تبدو لنا صالحة. ومع ذلك فليس كل ما يستهدف خيرًا هو بالضرورة صالح في ذاته، ومشروعية الغاية لا تعفي من مشروعية وسائلها، فلكي يكون الحل المتصور مقبولًا لا يكفي أن يستهدف الخير، بل يجب كذلك أن يستلهم الشرع، وأن يتطابق مع قواعده، في بنائه ذاته. ولقد