Skip to content

مجلة البحوث الإسلامية مدح الكاتب للصوفية

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Printed page ٩/ ١٧٥

أخفي عن غيره، ويسمي الذين لم يصلوا إلى درجته ومنزلته محجوبين مبعدين عن القرب الذاتي إلى ربهم، وقد يصل أحدهم إلى غاية قصوى تسمى عندهم بالفناء بحيث يفنى أحدهم بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن شهوده، بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، وقد تجرهم هذه الأحوال إلى عقيدة سيئة هي اتحاد الخالق بالمخلوق عقيدة أهل الحلول، وقد يزعم بعضهم أن مشائخهم وأكابرهم يصلون إلى درجة تسقط عنهم التكاليف وتباح لهم المحرمات ونحو ذلك من الخرافات التي يمدحهم لأجلها هذا الكاتب وأضرابه، ونحن نقول: إن حلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغال بذكره ودوام عبادته، والبعد عن القواطع والشواغل التي تقسي القلب وتحول بينه وبين التفكر في آلائه والتذكر لنعمائه، وقد أخبر النبي ﷺ بأن للإيمان حلاوة وطعما كما في قوله: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار (١)» وقال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا ونبيا (٢)» وهكذا أخبر بأن العبادة بها تقر عينه ويرتاح بدنه، وهو معنى قوله ﷺ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة (٣)»، وقوله: «أرحنا يا بلال بالصلاة (٤)» فهذا ونحوه يفيد أنه ﵊ يجد في الصلاة لذة قلبه وسروره وابتهاجه وغاية فرحه وراحة بدنه. حيث إنه في الصلاة ينقطع عن الغير ويقبل بقلبه على ربه ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلب من حال إلى حال يجد في كل منها الأنس بالعبادة، وكذا يتنقل من ذكر إلى دعاء إلى تلاوة، وفي الجميع قوة للقلب والبدن. فبهذه الأوصاف تكون الصلاة مفيدة ومؤثرة على العبد وناهية عن الفحشاء والمنكر، فالرسول ﷺ إنما يلتذ بالعبادة بأي وصف كانت، ولم يكن يؤثر الخلوة والانفراد، وليس في كون الصلاة قرة عينه ما يدل على أحوال الصوفية وأذواقهم ومواجيدهم ولو من بعيد،