مجلة البحوث الإسلامية
وتقديمها على حظوظ النفس ورغباتها (١) ا. هـ.
لقد جمع الحج بمناسكه عبادتين عظيمتين، مادية بالبذل والنفقة، وبدنية بالقيام بشعائره وأداء مناسكه، كما حج ﵊ القائل: «لتأخذوا مناسككم (٢)»، ولذلك كان الصالحون من عباد الله يتحسرون على فوات الحج وعدم تمكنهم منه، على أن المتخلف لعذر شريك السائر، كما قال النبي ﷺ لما رجع من غزوة تبوك: «إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر (٣)». يحدوهم قول الشاعر:
يا سائرين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا ... ومن أقام على عذر كمن راحا
ولهؤلاء وغيرهم يقال ليست العبرة بكثرة العمل، إنما العبرة بقبوله مع إخلاص النية وسلامة القلب وطهارته من كل ما يشوبه، وقوة التعلق بالله، خشية منه ومحبة وإجلالا وتعظيما له، ورغبة فيما عنده وزهدا في الدنيا وما عند الناس.
قال ابن مسعود ﵁ لأصحابه: (أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد ﷺ، وهم كانوا خيرا