Skip to content

مجلة البحوث الإسلامية مستند القائلين بعدم العمل بالقسامة مع المناقشة

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Printed page ٤/ ٩١

ويمكن أن يجاب عن قول الصنعاني: أنه ﷺ لم يقض بالقسامة أن النبي ﷺ قضى في القسامة، ووجه كونه ﷺ قضى بها: أنه طلب من الأنصار أن يحلفوا خمسين يمينا فامتنعوا فبين لهم ﷺ أن لهم على اليهود خمسين يمينا وتبرأ اليهود من دم الأنصاري فلم يقبل الأنصار أيمان اليهود، فلم يكن امتناع النبي ﷺ عن الحكم لأولياء الدم لكون القسامة غير مشروعة، بل لإبائهم أن يحلفوا لأنهم لم يشاهدوا الحدث ولم يقبلوا أيمان اليهود لأنهم قوم كفار.

الثاني: قصة عبد الله بن سهل، فأخرج البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي عن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال «انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صلح؛ فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال " كبر كبر " وهو أحدث القوم فسكت، فتكلما، فقال " أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال فتبرئكم يهود بخمسين "، قالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده (١)».

وفي رواية فقال رسول الله ﷺ «" يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته ".

قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " قالوا: يا رسول الله. . . وذكر الحديث (٢)» ونحوه.

وقد اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بأمرين:

الأمر الأول: ما ذكره الصنعاني بقوله أنه ﷺ لم يحكم بها وإنما كانت حكما جاهليا فتلطف بهم رسول الله ﷺ ليريهم كيف لا يجري الحكم بها على أصول الإسلام وبيان أنه لم يحكم بها أنهم لما قالوا وكيف نحلف ولم نحضر ولم نشاهد؟ لم يبين لهم أن هذا الحلف في القسامة من شأنه ذلك بأنه حكم الله فيها وشرعه بل عدل إلى قوله: «" يحلف لكم يهود " فقالوا ليسوا بمسلمين (٣)». فلم يوجب ﷺ عليهم وبين لهم أن ليس لكم إلا اليمين من المدعى عليهم مطلقا مسلمين كانوا أو غيرهم، بل عدل إلى إعطاء الدية من عنده ﷺ ولو كان الحكم ثابتا لبين لهم وجهه، بل تقريره ﷺ على أنه لا حلف إلا على شيء مشاهد مرئي _ دليل على أنه لا حلف في القسامة ولأنه لم يطلب ﷺ اليهود للإجابة عن خصومهم في دعواهم.

فالقصة منادية بأنها لم تخرج مخرج الحكم الشرعي إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فهذا أقوى دليل بأنها ليست حكما شرعيا، وإنما تلطف ﷺ في بيان