Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ٣١٧/ ٨

من حملة القرآن أبي بن كعب

فسيد القراء أبي بن كعب من الأنصار ﵁ وأرضاه، في سيرته وفي سيرة هؤلاء هدى ونور بإذن الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] ويذكر عنه بعض المترجمين أنه مرض بالحمى ثلاثين سنة؛ لأنه سأل الرسول ﷺ وقال: ﴿يا رسول الله! هل يكفر عنا ما يصيبنا من المصائب، قال: نعم.

حتى الشوكة يشاكها العبد﴾ ومصداق هذا حديث صحيح: ﴿ما يصيب المؤمن من هم ولا نصبٍ ولا وصبٍ ولا غمٍ ولا حزنٍ ولا مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه﴾ فسأل الله أبي بن كعب ﵁ وأرضاه أن يكفر عنه بهذه الحمى، فمكث ثلاثين سنة، لكن ما عطلته عن حجٍ ولا عمرة ولا عن فريضة ولا جهاد.

يقول له ﷺ، وهذا الحديث في صحيح مسلم: ﴿يا أبي! إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة:١]﴾ فالله ﷾ من فوق سبع سموات يسمي أُبياً باسمه! وهو صحابي من الصحابة، فأي شرف لهذا الإنسان! تصور بنفسك أن الله ﷾ سماك في الملأ الأعلى، لكن أُبياً سماه الله، قال: ﴿يا رسول الله! أوسماني الله باسمي في الملأ الأعلى؟ قال: إي والذي نفسي بيده، فدمعت عينا أبي وبكى وقرأ عليه النبي ﷺ سورة البينة﴾.

وفي صحيح مسلم أيضاً أن الرسول ﷺ أراد أن يسأل أبياً ليمتحن قربه من القرآن، وكثرة محفوظاته ومعرفته وفطنته، فالذي علمه هو ﷺ، قال: ﴿يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأخذ ﷺ كفه وضرب في صدر أبي وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ إيه والله هذا العلم الذي يغبط عليه، هذا العلم النافع الذي لم يُشَبْ ولم يَخلَق، ولم يمزج، فكان سيد القراء ﵁ وأرضاه.

صلى الرسول ﷺ -وهذا دليلٌ لأهل الفقه من الحنابلة وغيرهم بالفتح على الإمام في الصلاة إذا أخطأ أو تجاوز آية- صلى وتجاوز آية، وهو ﷺ ما ضن بشيءٍ من القرآن، وما فاته شيءٌ منه، بل نشهد الله ﷿، ثم نشهد ملائكته والناس أنه قد أدى الرسالة كاملةً، ما نقص حرفاً واحداً وما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً ولا سوء إلا حذرنا منه، فتجاوز ﵊ آية، فلما سلم، قال الناس: ﴿يا رسول الله! هل نسخت تلك الآية؟ قال: لا.

قالوا: ما قرأتها يا رسول الله، قال: أين أبا المنذر؟ -فالرسول ﷺ يسأل أهل التخصصات- قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: أكما يقولون؟ قال: نعم.

قال: لماذا لم تفتح عليَّ في الصلاة، قال: ظننت أنها نسخت﴾

فالرسول ﷺ بلَّغ القرآن كاملاً.

لكن الشاهد: كيف عاش الصحابة مع القرآن؟ وكيف تأثروا بالقرآن؟ فعند ابن أبي حاتم في تفسيره، في سورة الغاشية، أن الرسول ﵊ مر بامرأة تقرأ في جنح الليل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فوضع ﷺ رأسه على صائر الباب وهي تردد ولا تدري أنه يستمع لقراءتها، وتقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وتبكي، فأخذ ﷺ يبكي ويقول: ﴿نعم أتاني نعم أتاني﴾ حديث الغاشية وحديث يوم القيامة وهو حديث عجيب، ورهيب، ومرعب، يقول الله: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية:١] فيجيب ويقول: ﴿نعم أتاني﴾.