Skip to content

شرح مقامات الحريري [الفضيل بن عياض]

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Printed page ٢/ ٣٥٦

وقال: إذا رأيت الليل مقبلا فرحت، وقلت: أخلو بربي، وإذا أبصرت الصبح استرجعت كراهة أن يجيء من يشغلني.

واطلع عليه بعض إخوانه من كوّة ولحيته تقطر دموعا، فقال: يا هؤلاء، ليس هذا زمن حديث إنما هو زمن: احفظ لسانك، وعالج قلبك، واخف مكانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر.

وقال: لو أنّ الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ لا أحاسب بها لكنت أتقذّرها كما يتقذّر أحدكم الجيفة إذا مرّ بها أن تصيب ثيابه.

وقال: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك.

قال أبو عليّ سليمان الدارانيّ: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا ولا متبسّما إلا يوم مات ابنه عليّ، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله تعالى إذا أحبّ امرأ ابتلاه.

وقال: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري.

وأخباره كثيرة، وهذه اللمعة دالة عليها.

قوله: سدلت، أي أرخيت. مخازي: قبائح، وما يخزى عليها فاعلها لو اطّلع على فعله. دأبه ودأبي: عادته وعادتي. إيابي: رجوعي. مصر: مقيم. التدليس: تلبيس الأمر وكتمان العيب.

ويشبه عذل ابن همام السروجي في شرب الخمر ثم مساعدته إياه بعد لومه وشربه معه، قول ابن أبي ربيعة، وهو أحسن ما قيل في المساعدة: [الوافر]

وخلّ كنت عين النصح منه ... إذا نظرت ومستمعا سميعا (١)

أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له: أرى أمرا شنيعا

أردت رشاده جهدي فلمّا ... أبى وعصى أتيناها جميعا

وقال أعرابي: [الطويل]

وكنت إذا علقت حبال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء

فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا

أشاء سوى مشيئتهم فآتي ... مشيئتهم وأترك ما أشاء