شرح مقامات الحريري
وجعلت شخصه قيد عياني، إلى أن انقضت الخطبة، وحقّت الوثبة، فخفقت إليه، وتوسّمته عليّ التحام جفنيه، فإذ ألمعيّتي ألمعيّة ابن عبّاس، وفراستي فراسة إياس.
***
وشّى: زيّن ورقّم. خطفت: أخذت بسرعة. الباشق: من جوارح الطير. مرقت:
خرجت بسرعة. الرّاشق: الّذي يرشق الصيد، أي ينشبه، ويكون الراشق بمعنى المرشوق، كقوله تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦]، أي مدفوق. قوله: «خالج»، أي داخل وجاذب. تأجّج: اشتعل. كربي: همّي، والتأجّج «التفعّل» من الأجيج، وهو تصويت النار ولهبها إذا اشتعلت وعظمت. آثرت: اخترت وفضّلت، وآثرته بكذا: فضّلته به والإيثار المصدر. أفاجيه: آتيه فجأة وهو لا يشعر. أناجيه: أحدّثه. أعجم: أجرّب.
فراستي: نظري، وجعل لها عودا مجازا. تخطّى رقاب الجمع: الجواز على أعناق الناس؛ خرّج الترمذيّ في النهي عن ذلك، قال: قال رسول الله ﷺ: «من تخطّى رقاب الناس يوم الجمعة اتّخذ جسرا إلى جهنم» (١).
عفت: كرهت. يتأذّى: يصيبهم أذى. يسري: يصل. اللوم: ضدّ الحمد، وهو أن تأخذ الإنسان بلسانك ذمّا لما فعل. سكدت: التصقت ولزمت. قيد عياني: غرض نظري، أي قيّدت نظري فيه. انقضت: تمّت. حقّت الوثبة، أي وجبت القفزة إليه.
خففت: أسرعت. توسّمته: نظرته. التحام: التصاق وانغلاق. ألمعيّتي: ذكائي وصدق ظنّي، والألمعيّ، هو الذي يظن بك الظّنّ، ولا يخطئ، وهو اليلمعيّ من اللّمعان، كأنه يلمع لذكائه وجودة فطنته، وقال أوس: [المنسرح]
الألمعيّ الذي يظنّ بك الظّنّ ... كأن قد رأى وقد سمعا (٢)
ولا يبيّن أحد الألمعيّ بأحسن مما بيّنه أوس، فإذا سئلت: ما الألمعيّ؟ فأنشدت بيته تأت بالجواب الشافي.
والفراسة، أن تنظر الشيء فتستدلّ بظاهره على باطنه، وبما حضر على ما غاب، وقيل: الألمعيّة أن ترى الشيء على بعد فتعرفه وتحقّقه، والفراسة أن ترى الرجل بين يديك فتحكم عليه بما أضمر، أو بما يريد أن يفعله، فالألمعيّة في البعد، والفراسة في