Skip to content

موارد الظمآن لدروس الزمان كلام لابن القيم في مقدمة غزوة فتح مكة شرفها الله

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Printed page ٦/ ٢٦٠

لِيَشُدَّ فِي الْعَقْدِ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ» . وَوَقَعَ طِبْقَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ وَقَدْ أَحَسَّتْ قُرَيْشٌ بِمَا وَرَاءَ غَدْرِهَا ذَاكَ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ فَأَوْفَدَتْ إِلى الْمَدِينَةِ زَعِيمَهَا أَبَا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ لَعَلَّهُ يَتَلاقَى هَذِهِ الْغَلْطَةَ وَنَتَائِجَهَا وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَحِسُّ خَطَرَ هَذَا الأَمْرِ الذِي هُوَ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَشَأْ الذِّهَابَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَوَّأَ، بَلْ لابُدَّ مِنْ تَمْهِيدِ الطَّرِيقِ لِلِقَائِهِ.

فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَشْفِعُ بِهَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَوَتْهُ عَنْهُ أُمِّ حَبِيبَةَ.

فَعَجِبَ أَبُو سُفْيَانَ لِمَا رَأَى مِنْ فِعْلِ ابْنَتِهِ وَقَالَ لَهَا: بُنَيَّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي فَجَابَهَتْهُ ابْنَتُه فِي صَرَاحَةٍ تَقُولُ: بَلْ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجَسٌ فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَانَتْ هَذِهِ صَدْمَة شَدِيدَة الْوَقْعِ عَلَى نَفْسِ أَبِي سُفْيَانَ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهَا مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ.

فَلَمْ يَمْلِكْ أَنْ قَالَ لابْنَتِهِ مُعَبِّراً عَمَّا نَالَهُ مِنْ الإهَانَةِ: وَاللهِ لَقَدْ أَصَابَكَ بَعْدِي يَا بُنَيَّة شَرٌّ ثُمَّ خَرَجَ خَجِلاً مُضَعْضَعَ النَّفْسِ مَكْلُومَ الْفُؤادِ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئاً فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدْمَةُ أنَكْىَ مِنْ الأَوْلَى.

اللَّهُمَّ يَا مَنَّ عَمَّ الْبَرِيَّةِ جُودُهُ وَإِنْعَامُه نَسْأَلُكَ أَنْ تَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِعَفْوِكَ وَغُفْرَانك، وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.