موارد الظمآن لدروس الزمان
أَنْ يَأْتِيكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَيْهِ فَاجْتَنِبْهُ فَرُبَّمَا كَانَ الْمَوْتُ مِنْكَ قَرِيبًا.
فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْوِلايةِ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ نَصْبَ عَيْنَيْهِ وَأَنْ يَقْبَلَ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وُعِظَ بِهَا غَيْرُهُ.
فَكُلَّمَا رَأَى عَالِمًا عَامِلاً بِعَلْمِهِ لَيْسَ مِنْ عُلَمَاءِ الدُّنْيَا زَاهِدًا فِيهَا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ سَأَلَهُ أَنْ يَعِظَهُ.
وَيَنْبَغِي لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَعِظُوا الْمُلُوكَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاعِظِ وَلا يَغُروهُمْ وَلا يَدَّخِرُوا عَنْهُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ وَكُلُّ مِنْ غَرَّهُمْ فَهُوَ مُشَارِكٌ لَهُمْ.
وعن الفضل بن الربيع حاجب هارون الرشيد قَالَ: أرسل إليَّ الرشيد ذاتَ ليلة فحضرتُ إليه فلما دخلتُ عليه وجَدْتُ بين يديه ضبارة سيوف وأنوع من آلات العذاب.
فقَالَ: يا فضل. فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ َيا أمير المؤمنين. فَقَالَ: عَلَيَّ بِهَذَا الْحِجَازِي يعني الشافعي ﵁ وهو مُغْضَبٌ الساعةَ الساعةَ.
فخرجتُ وبي مِن الغم والحزن ما لا يُوصَف لِمَحَبَّتِي للشافعي لفصاحته وبراعته وبلاغته وعقله فجئْتُ إلى بابه.
فأمَرْتُ مَن دَقَّ عليه البابَ فَتَنَحْنَحَ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُصَلِّي فَوَقَفْتُ حتى فَرِغَ مِنْ صَلاتِهِ وَفَتَحَ البابَ فَسَلَّمْتُ عليه.
وقلْتُ لَهُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً وَجَدَّدَ الْوُضُوءَ وَارْتَدَى وَرَكَعَ رَكَعْتَيْنِ وَخَرَجَ يَمْشِي فَمِنْ شَفَقَتِي عَلَيْهِ قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ قِفْ لِتَسْتَرِيحَ بَيْنَمَا أَسْتَأْذِنُ.
فَدَخَلْتُ عَلى أمير المؤمنين فإذا هُوَ على حَالِهِ فِي غَضَبِهِ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: أَيْنَ الْحِجَازِي؟
قُلْتُ: عِنْدَ السِّتْرِ. فَقَالَ: مُرْهُ بِالدُّخُولِ. فَجِئْتُ إِلَيْهِ وَأَمَرْتُهُ بِالدُّخُولِ.