Skip to content

موارد الظمآن لدروس الزمان فائدة جليلة من كلام شيخ الإسلام وابن القيم

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Printed page ٢/ ٤٠٠

وكَذَلِكَ يَمْنَعُهُ كَثِيرًا مِنْ شَهَوَاتِهِ حُمْيَةً لَهُ وَمَصْلَحَةً لا بُخْلاً عَلَيْهِ، فَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَأَعْلَمُ الْعَالَمِينَ الَّذِي هُوَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَمِن آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، إِذَا أَنْزَلَ بِهِمْ مَا يَكْرَهُونَ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَنْ لا يُنْزِلَهُ بِهِمْ، نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ وَلُطْفًا بِهِمْ.

وَلَوْ مُكِّنُوا مِنْ الاخْتِيَارِ لأَنْفُسِهِمْ لَعَجِزُوا عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِم عِلْمًا وَإِرَادَةً وَعَمَلاً، لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ تَوَلَّى تَدْبِيرَ أُمُورِهِمْ بِمُوجِبِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَحَبُّوا أَمْ كَرِهُوا، فَعَرَفَ ذَلِكَ الْمُوقِنُونَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فَلَمْ يَتَّهِمُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْجُهَّالِ بِهِ وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَنَازَعُوهُ تَدْبِيرَهُ وَقَدْ حُوا فِي حِكْمَتِهِ، وَلَمْ يَنْقَادُوا لِحُكْمِهِ، وَعَارَضُوا حُكْمَهُ بِعُقُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ وَآرَائِهِمْ الْبَاطِلَةِ وَسِيَاسَاتِهِمْ الْجَائِرَةِ فَلا لِرَبِّهِمْ عَرَفُوا وَلا لِمَصَالِحِهِمْ حَصَّلُوا. وَاللهُ الْمُوَفِّقُ.

وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُ الدِّينِ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِن الضُّرِّ وَالشِّدَّةِ مَا يُلْجِئُهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ فَيَدْعُونَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَيَرْجُونَهُ وَلا يَرْجُونَ أَحَدًا سِوَاهُ فَتَتَعَلَّقُ قُلُوبُهُمْ بِهِ لا بِغَيْرِهِ فَيَحْصُلُ لَهُمْ مِن التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالإِنَابَةِ وَحَلاوَةِ الإِيمَانِ وَذَوْقِ طَعْمِهِ.

وَالْبَرَاءَةِ مِن الشِّرْكِ مَا هُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ مِنْ زَوَالِ الْمَرَضِ وَالْخَوْفِ أَوْ الْجُدْبِ وَالضُّرِّ وَمَا يَحْصُلُ لأَهْلِ التَّوْحِيدِ الْمُخْلِصِينَ للهِ فَأَعْظَمُ مِن أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ مَقَالٌ وَلِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبٌ بِقَدَرِ إِيمَانِهِ وَلِهَذَا قِيْلَ: يَا ابْنَ آدَمَ لَقَدْ بُورِكَ لَكَ فِي حَاجَةٍ أَكْثَرْتَ فِيهَا مِنْ قَرْعِ بَابِ سَيِّدِكَ.

وَطَوْرًا تَكُونُ الْمَصَائِبُ انْتِقَامًا مِن اللهِ تَعَالَى لِمُخَالَفَةِ الْعَبْدِ أَمْرَ رَبِّهِ كَمَعْصِيَةِ آدَمَ مِنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُ اللهُ عَنْ الأَكْلِ مَنْهَا فَأَكْلُهُ مِنْ الشَّجَرَةِ مَعْصِيَةٌ جَزَاءَ عِصْيَانِهِ كَمَا أَنَّهَا تَكُونُ لِمَحْوِ الذُّنُوبِ وَتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ مِنْ رِجْسِ الْمَعَاصِي.