Skip to content

لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ الطبقة السابعة والعشرون

لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ

ابن فهد

Printed page ١٣٨

وكان لا يأنف من تأخير الفتوى عنده إذا أشكل عليه منها شيء إلى أن يحقق أمرها من مراجعة الكتب لئلا يلام في الفتوى١ بأن قيل يغير رأيه عما يفتي به وما ذاك إلا لسعة علمه، رحل إليه الطلبة من الآفاق الشاسعة للقراءة عليه فانتفعوا به وتخرج به خلائق لا يحصون.

وخضع له الأئمة من المفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين والنحويين وتلمذوا له لما بدا لهم من كثرة محفوظه لا سيما لنصوص الشافعي ﵁ والمعرفة التامة بهذه العلوم مع الذهن السليم والذكاء الذي على كبر السن لا يريم ولولا أن نوع الإنسان مجبول على النسيان لكان معدوما فيه فلم يكن في الحفظ وقلة النسيان من يماثله بل ولا من يدانيه بحيث إنه لم يمت حتى كان قصارى الماهر في العلم أن ينسب نفسه إليه ويتبجح بالقراءة عليه وكان عظيم القراء وعين أهل الإسلام وعالمهم وإمامهم ومعلمهم ويعولون عليه في كل المهمات الدينية ولا يستغنون عنه في الأمور الدنيوية يفزع إليه في حل المشكلات فيحلها ويقصد لكشف المعضلات فيكشفها ولا يمهلها، كان الشيخ بهاء الدين بن عقيل يقول: أحق الناس٢ والفتيا في زمانه وقد كتب له الأستاذ أبو حيان وله من العمر دون العشرين: قرأ عليّ الشيخ الفقيه العالم المفن سراج الدين عمر البلقيني جميع الكافية في النحو قراءة بحث وتفهم وتنبيه على ما أغفله الناظم فكان يبادر إلى حل ما قرأه عليّ من مشكل وغيره فصار بذلك إماما ينتفع به في هذا الفن العربي مع ما منحه الله تعالى من علمه بالشريعة المحمدية بحيث نال في الفقه وأصوله الرتبة العليا وتأهل للتدريس والقضاء والفتيا على مذهب ابن إدريس ﵁.

وقال شيخنا الحافظ برهان الدين سبط بن العجمي: كان فيه من قوة الحافظ وشدة الذكاء ما لم يشاهد في مثله، أخبرني في رحلتي الأولى إلى القاهرة بمدرسته أنه لما قدم شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي نزل في قصر بشتك فدعاه شخص إلى الجيزة وحضرت معه في جماعة من علماء القاهرة منهم بدر الدين الزركشي وابن العنبري والطُنبذي٣ فلما صلينا العشاء قال لي شرف الدين ابن قاضي الجبل: يا سراج الدين أينا أحفظ أنا أم أنت؟ فقلت له: سبحان الله! أنتم كذا وكذا -أتواضع له- فقال: استحضر أنا