Skip to content

تاج العروس من جواهر القاموس ع م ر

تاج العروس من جواهر القاموس

مرتضى الزبيدي

Printed page ١٣/ ١٢٨

قَدْراً مَحْدُوداً. وَقَوله تَعَالَى: ومَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَلَا يُنْقَصُ من عُمُرِهِ إِلَاّ فِي كِتَابٍ. فُسِّر على وَجْهَيْنِ، قَالَ الفَرّاءُ: مَا يُطَوَّل من عُمُرِ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِن عُمُرِه، يُرِيد آخَرَ غَيْرَ الأَوّل، ثمَّ كنَى بالهَاءِ كأَنّه الأَوّل. وَهَذَا قولُ ابْن عَبّاس. أَو مَعْنَاهُ إِذا أَتَى عَلَيْه اللَّيْلُ والنَّهَارُ نَقَصَا من عُمُره، والهاءُ فِي هَذَا المعنَى للأَوَّل لَا لِغَيْرِه، لأَنّ المَعْنَى: مَا يُطَوَّلُ وَلَا يُذْهَبُ مِنْهُ شئٌ إِلاّ وَهُوَ مُحْصىً فِي كِتابٍ. وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ. وكُلٌّ حَسَن، وكأَنَّ الأَوّلَ أَشْبَهُ بالصَّواب قَالَه الأَزهريّ. وَفِي الحَدِيث: لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا، فمَنْ أُعْمِرَ دَارا أَو أُرْقِبَها فهِيَ لَهُ ولِوَرَثَتِه مِنْ بَعْدِه. العُمْرَى: مَا يُجْعَلُ لَك طُولَ عُمُرِك أَو عُمُرِه، وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ أَنْ يَدْفَعَ الرجُلُ إِلى أَخِيه دَارا فَيَقُول لَهُ: هَذِه لَكَ عُمْرَك أَوْ عُمْرِي، أَيُّنَا ماتَ دُفِعَت الدارُ إِلى أَهْله، وَكَذَلِكَ كَانَ فِعْلُهم فِي الجاهِلِيَّة. وَقد عَمَرْتُه إِيّاه وأَعْمَرْتُه: جَعَلْتُه لَهُ عُمرِه أَو عُمْرِي، أَي يَسْكُنُها مدّةَ عُمرِه، فإِذا ماتَ عادَتْ إِلىّ والعُمْرَى المصدرُ من كلّ ذَلِك، كالرُّجْعَى. فأَبْطلَ ذَلِك ﷺ وأَعْلَمَهُمْ أَنّ مَن أُعْمِرَ شَيْئا أَو أُرْقِبَهُ فِي حَيَاتِه فهُوَ لِوَرَثَتِه مِن بَعْدِه، قَالَ بنُ الأَثِير: وَقد تَعاضَدَت الرِّوَاياتُ على ذَلِك.

والفُقَهَاءُ مُخَتْلِفُون فِيهَا، فَمنهمْ مَنْ يَعْمَلُ بظاهِرِ الحَدِيث ويَجْعَلُها تَمْلِيكاً، وَمِنْهُم مَنْ يَجْعَلُها كالعارِيّة ويَتَأَوّل الحَدِيث. وأَصلُ العُمْرَي مأْخوذٌ من العُمْر، وأَصْلُ الرُّقْبَى من المُرَاقَبَة. فأَبْطَلَ النبيُّ ﷺ هَذِه الشُّروطَ وأَمْضَى الهِبَةَ. قَالَ: وَهَذَا الحَدِيثُ أَصلٌ لكُلّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً فشَرَط فِيهَا شَرْطاً بعد مَا قَبَضَهَا المَوْهُوبُ لَهُ، أَنَّ الهبَةَ جائِزَةٌ والشَّرْط باطِلٌ. وَفِي الصّحاح: أَعْمَرْتُه دَارا أَو أَرْضاً أَوْ إِبِلاً. ويُقَال: لَكَ فِي هذِه الدّارِ عُمْرَى حَتَّى تَمُسوت.