Skip to content

المنتقى شرح الموطإ [الترغيب في الجهاد]

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Printed page ٣/ ٢١٤

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَى فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ مَا شَأْنُك فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ بَعَثَنِي إلَيْك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِآتِيَهُ بِخَبَرِك قَالَ فَاذْهَبْ إلَيْهِ فَأَقْرِأْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنِّي قَدْ طُعِنْت ثِنْتَيْ عَشْرَةَ طَعْنَةً وَأَنِّي قَدْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلِي وَأَخْبِرْ قَوْمَك أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ إنْ قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ حَيٌّ» ) .

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَغَّبَ فِي الْجِهَادِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَأْكُلُ تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ فَقَالَ إنِّي لَحَرِيصٌ عَلَى الدُّنْيَا إنْ جَلَسْت حَتَّى أَفْرُغَ مِنْهُنَّ فَرَمَى مَا فِي يَدِهِ فَحَمَلَ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ» ) .

ــ

[المنتقى]

الدُّنْيَا مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَقَدْ تَمَنَّى ﷺ إعْلَامًا بِدَرَجَةِ الشَّهَادَةِ وَتَحْرِيضًا لِأُمَّتِهِ عَلَيْهَا وَإِعْلَامًا لَهُمْ بِمَا فِيهَا.

(ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ اهْتِبَالٌ مِنْهُ ﷺ بِأَصْحَابِهِ وَبَحْثِهِ عَنْ مَنْ فُقِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ لِيَعْلَمَ مَا خَبَرُهُ وَمَا الَّذِي غَيَّبَهُ وَإِنْ كَانَ أُصِيبَ أَوْ سَلِمَ فَانْتَدَبَ الرَّجُلَ لِيُحْرِزَ طَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُبَادَرَةَ إلَى مَا يَرْغَبُهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ بِالْأَمْرِ وَذَهَابُهُ بَيْنَ الْقَتْلَى لِطَلَبِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ فُقِدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَفِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ أَنَّهُ قُتِلَ أَوْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ فَبَادَرَ إلَى طَلَبِهِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ يَجِدُهُ وَقَوْلُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ لَهُ: مَا شَأْنُك؟ لَعَلَّهُ قَدْ تَوَقَّعَ أَنْ يَكُونَ أُرْسِلَ لِلْبَحْثِ عَنْ خَبَرِهِ أَوْ خَبَرِ غَيْرِهِ فَيُوصِي مَعَهُ بِمَا أَرَادَ أَنْ يُوصِي بِهِ إلَى قَوْمِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَ النَّبِيَّ ﷺ سَلَامَهُ لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَلْقَاهُ وَأَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ عَدَدِ الطِّعَانِ وَإِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ وَفِي ذَلِكَ إعْلَامٌ بِفَوَاتِ لِقَائِهِ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ اسْتِدْعَاءَ تَرَحُّمِهِ عَلَيْهِ وَاسْتِغْفَارِهِ وَرِضَاهُ عَنْهُ ثُمَّ أَوْصَى إلَى قَوْمِهِ بِأَنْ يَفْدُوا النَّبِيَّ ﷺ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنْ لَا يُوصَلَ إلَيْهِ، وَمِنْهُمْ حَيٌّ وَأَنَّ مَنْ حَيَّ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا عُذْرَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وِقَايَتُهُ ﷺ بِأَنْفُسِهِمْ وَبَذْلُهَا دُونَهُ.

(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ ﷺ رَغَّبَ فِي الْجِهَادِ تَنْبِيهًا مِنْهُ فِي تَجْدِيدِ ذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ الْقِتَالِ وَتَذْكِيرًا لِلنَّاسِ بِفَضَائِلِ الْجِهَادِ وَتَرْغِيبًا لَهُمْ فِي إحْرَازِ أَجْرِهِ وَالصَّبْرِ عَلَى شِدَّةِ الْحَرْبِ وَمَا عَسَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ مِنْ جِرَاحٍ أَوْ شَهَادَةٍ فَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ شَوَّقَهُمْ إلَى الْجَنَّةِ بِأَنْ وَصَفَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهَا لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ لَا سِيَّمَا لِمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ.

(فَصْلٌ) :

وَقَوْلُهُ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَأْكُلُ تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ هُوَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَّمِيُّ لَمَّا سَمِعَ مَا ذَكَّرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حَمَلَهُ تَصْدِيقُهُ لَهُ وَتَثَبُّتُهُ لِمَا قَالَهُ عَلَى أَنْ طَرَحَ تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ كَانَ يَأْكُلُهَا وَرَأَى أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِأَكْلِهَا عَنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الشَّهَادَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى مَا وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْجَنَّةِ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا وَاشْتِغَالٌ بِيَسِيرِ مَتَاعِهَا عَنْ عَظِيمِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ فَطَرَحَهَا وَحَمَلَ بِسَيْفِهِ وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ حَمَلَ وَهُوَ يَقُولُ

رَكْضًا إلَى اللَّهِ بِغَيْرِ زَادٍ ... إلَّا التُّقَى وَعَمَلَ الْمَعَادْ

وَالصَّبْرَ فِي اللَّهِ عَلَى الْجِهَادِ

وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عُمَيْرٌ هَذَا مَعَ جَمَاعَةِ النَّاسِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْفَرَدَ بِالْحَمْلِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا جَائِزٌ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ عَلَى الْكَتِيبَةِ لَا سِيَّمَا مَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ شِدَّةً وَقُوَّةً وَكَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْعَدَدِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ مُحْتَمُونَ دُونَهُ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ إذَا