المنتقى شرح الموطإ
التَّرْغِيبُ فِي الصَّدَقَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا طَيِّبًا كَانَ إنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ يُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ»
ــ
[المنتقى]
قَالَ: لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ الْقَارِ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشِدَّةِ أَمْرِهَا فِي الْحَرِّ وَأَخْبَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ شِدَّةِ أَمْرِهَا فِي لَوْنِهَا؛ لِأَنَّ سَوَادَهَا أَشَدُّ فِي الْعَذَابِ فَقَالَ: إنَّهَا أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ الْقَارِ وَالْقَارُ وَالْقِيرُ الزِّفْتُ وَمِثْلُ هَذِهِ لَا يَعْلَمُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ» يُرِيدُ حَلَالًا وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الْحَلَالَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْجُورٍ عَلَيْهَا بَلْ هُوَ مَأْثُومٌ فِيهِ حِينَ لَمْ يَرُدَّهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ ﷿ إلَّا طَيِّبًا» مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَعْتَدَّ لَهُ بِهَا صَدَقَةً وَيُرِيدَ أَنْ يُثِيبَهُ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ «كَانَ إنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ عِظَمَ إثَابَةِ اللَّهِ ﷿ لَهُ عَلَيْهَا وَحِفْظَهُ لَهَا، وَكَفُّ الرَّحْمَنِ ﷾ بِمَعْنَى يَمِينِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ «فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ» يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُنَمِّي الصَّدَقَةَ بِتَضْعِيفِ أَجْرِهَا كَمَا يُنَمِّي الْإِنْسَانُ الْفَلُوَّ وَهُوَ أُنْثَى وَلَدِ الْخَيْلِ مِنْ ذُكُورِ الْحُمُرِ أَوْ فَصِيلَهُ وَهُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِتَنْمِيَتِهِ بِالتَّرْبِيَةِ وَرَجَاءِ زِيَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يَبْلُغُ بِتَنْمِيَةِ اللَّهِ ﷿ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُهَا كَالْجَبَلِ قَالَ اللَّهُ ﷿ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْت قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَبَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْت مَا قُلْت فِيهِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ الِاسْتِكْثَارُ مِنْ الْمَالِ الْحَلَالِ وَقَوْلُهُ: وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحَاءَ يَقْتَضِي جَوَازَ حُبِّ الرَّجُلِ الصَّالِحِ لِلْمَالِ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] .
وَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٌ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: اللَّهُمَّ إنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إلَّا أَنْ نُحِبَّ مَا زَيَّنْت لَنَا فَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ فَيُنْفِقُهُ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لِعَائِشَةَ ﵂: لَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى مِنْك وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا مِنْك وَقَرَأْنَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ ﵁ بَيْرُحَاءَ بِفَتْحِ الرَّاءِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ وَالْجَمْعِ وَاللَّفْظَتَانِ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ وَلَيْسَتْ بِئْرٌ مُضَافَةٌ إلَى مَوْضِعٍ