لم يكن التمذهبُ عائقًا أمامَ الاستزادة مِن العلمِ، بلْ كان دافعًا إلى النظرِ والتنقيب، ولا سيما في تراثِ إمامِ المذهب، وقد عُني كثيرٌ مِن المتمذهبين بالنظرِ فيما أطلقَ إمامُ المذهبِ الحكَمَ فيه، فأظهروا عللَ المسائلِ التي كَشَفَ إمامُهم عن أحكامِها؛ بُغْيَةَ إلحاقِ الفروع المشابهةِ لها بما نصَّ على حكمِه (١).
وبيانُ العللِ يفتحُ أمامَ المتمذهبين بابَ الفتيا فيما ليس فيه نصٌّ عن إمامِهم متى ما عُرِفتْ علةُ ما نصَّ عليه، وقد سُمِّي مَنْ يعمل ذلك بالمخرِّج، أو بمجتهدِ التَّخْرِيج (٢).
ومِن الطبعي أنْ يقعَ بين مخرّجي المذهب الواحدِ اختلافٌ في حكم الحادثةِ (٣)؛ لاختلافِهم في الفرع المخرَّجِ عليَه، وفي علتِه، وهذا مؤذنٌ باتساعِ دائرةِ الأقوالِ في المذهبِ (٤).
وكذلك اهتمَّ بعضُ المتمذهبين، ولا سيما مِنْ أرباب المذهبِ الحنفي ببيانِ أصولِ مذهبِهم مِنْ خلالِ الفروعِ المرويّةِ عن أئمةِ الَمذهب، وتمحيصِ النظرِ فيها؛ طلبًا للأصلِ الذي ساروا عليه (٥).