وقد عَقَدَ القاضي عياضٌ المالكي (١) بابًا في ترجيحِ مذهبِ الإِمام مالكٍ، والحجةِ في وجوبِ تقليدِه وتقديمِه على غيرِه مِن الأئمةِ، وقالَ فيه: "وها نحنُ نُبيِّنُ أنَّ مالكًا - رحمه الله تعالى - هو ذاكَ أي: أولى الأئمة بالاتباعِ والتقليدِ - لجمعِه أدواتِ الإِمامةِ، وتحصيلِه درجةَ الاجتهادِ، وكونه أعلم القومِ، بلْ أهل زمانِه" (٢).
واستمعْ إِليه وهو يتحدثُ عن أئمةِ المذاهبِ الأخرى، فيقول: "أمَّا أبو حنيفةَ والشافعي، فيُسَلَّم لهما حسن الاعتبارِ، وقدقيق النظرِ والقياسِ، وجودة الفقهِ والإِمامة فيه، لكن ليس لهما إِمامةٌ في الحديثِ، ولا معرفة به، ولا استقلال بعلمِه ... وقد ضعفهما فيه أهلُ الصنعةِ! " (٣). ويقولُ أيضًا: "أمَّا أحمد وداود، فإِنَّهما سلكا اتباعَ الآثارِ، ونَكَّبَا عنْ طريقِ الاعتبارِ، لكنَّ داودَ غلا في ذلك، فترك القياسَ جُملةً ... " (٤)، ثُمَّ ساقَ أدلةً مِن النقلِ، ومِن الاعتبارِ والنظرِ تؤيدُ تقديمَ التمذهبِ بمذهبِ الإِمامِ مالكٍ على غيره من المذاهبِ (٥).