المتمذهبين لم يجعل المناظرةَ لطلبِ الصواب، ومعرفةِ الأدلةِ ودرجاتِها (١)، بلْ جالوا في ميدانِها؛ لنصرةِ مذهبِهم أيًّا كَان الطريقُ إلى ذلك، ولدعوةِ الناسِ إلى التمذهبِ بمذهبِهم (٢).
بلْ وَصَلَ الأمرُ في بعضِ المناظراتِ التي جرتْ بين متأخري المذاهبِ إلى التشاحنِ والتشاجر، فأضحت المناظراتُ مقامَ تطاولٍ وتناحرٍ، لا يُرَاعَى فيها جانبُ الحقِّ (٣)، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى هذا عند حديثي عن المناظرات في الفصلِ السابقِ.
وهذا الخُلُق الذميمُ مِنْ شأنِه أنْ يجعلَ النفوسَ غيرَ قابلةٍ للحقِّ والصوابِ إذا بانَ لها واتضح، فيتمسك كلٌّ بقولِه، ويتعصب له، ويتكلّف ردَّ أدلةِ مَناظرِه، وينصر قولَه ومذهبَه بأيّ دليلٍ (٤).
يقول الشيخُ محمدٌ الشوكاني: "إنَّ الرجلَ قد يكون له بصيرةٌ وحسنُ إدراكٍ، ومعرفةٌ بالحقِّ ورغوبٌ إليه، فيخطئ في المناظرةِ، ويحمله الهوى، ومحبةُ الغَلَب، وطلبُ الظهورِ على التصميمِ على مقالِه، وتصحيحِ خطئِه، وتقويمِ معوجِّه بالجدالِ والمراءِ" (٥).