Skip to content

التمذهب – دراسة نظرية نقدية المبحث الأول: أسباب ظهور الآثار السلبية

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Printed page ٣/ ١٤٣٦

والأشكالِ، والذي يهمني هنا: هو الغلوُّ في أئمةِ المذاهب، والمبالغةُ في تعظيمِهم واتِّباعِهم.

لقد جَعَلَ بعضُ المتمذهبين إمامَهم المجتهدَ في مكانةٍ فوقَ التي يستحقها، فأنزلوه منزلةَ النبي ﷺ مع أمتِه! فحرَّموا مخالفتَه، والخروجَ عن رأيه، ولم يقبلوا عن أحدٍ سواه (١)، وزعموا - بالمقالِ أو بلسانِ الحالِ - أنَّ ما قاله إمامُهم فحسب هو الشريعة الإسلامية (٢).

وما مِنْ شكَّ في مكانةِ أئمةِ المذاهبِ في الإسلامِ، وما لهم مِن المنزلةِ الرفيعةِ في الأمةِ، وما لأقوالهم مِن الاعتبارِ، لكنَّ هذا لا يعطي العالمَ مهما بلغتْ درجتُه في العلمِ، ومهما بلغتْ خدمتُه للدِّينِ، درجةَ النبي ﷺ مع أمتِه؛ إذ الذي تحرمُ مخالفتُه، ويحرمُ الخروجُ عن قولِه هو النبيّ ﷺ الذي أوجبَ اللهُ تعالى طاعتَه، فلا يجوزُ إنزالُ أئمةِ المذاهبِ منزلةً لم يبلغوها (٣).

وأجزمُ أنَّ الأئمةَ المجتهدين لا يرضون أنْ يُعْطَوا فوقَ ما يستحقون، بلْ كان كلُّ واحدٍ منهم معظمًا للأدلةِ، راجعًا إليها إذا تبيّنَتْ له، حاثّا تلاميذَه على النظرِ فيها، ولم يَرِدْ عن أحدٍ منهم على الإطلاقِ الحث على أخذِ أقوالِه.

يقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ: "الغلوُّ في تعظيمِ الأوائل بحطِّ المتأخرين عن مناصبِهم غيرُ محمودٍ في الشرعِ والعقلِ" (٤).