Skip to content

التمذهب – دراسة نظرية نقدية المبحث الرابع: عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Printed page ٣/ ١٤٢٨

ولم يكن غالبُ متقدمي علماء المذاهبِ الفقهيةِ مكتفين بما جاءَ عن إمامِهم، وبما في مذهبِهم، والدليلُ على هذا: أنَّ منهم مَنْ خالفَ إمامَه، ورجّحَ قولَ غيرِه (١)، لكنَّ الأمرَ بدأَ بالتدريجِ رويدًا رويدًا عند بعضِ المتمذهبين، حتى أضحى سِمَةً ظاهرةً عندهم، بلْ صارَ الحالُ إلى اكتفاءِ بعضهم بكتاب أو بكتابين مِنْ كتبِ المذهبِ المتأخرةِ، واقتصارهم عليها (٢)، وأمسى الفارقُ بين المتمذهب المبتدئِ في العلمِ، والمتمذهبِ المنتهي، في كثرةِ المسائلِ التي يحفظها (٣).

ويحكي العزُّ بنُ عبد السلام حالَ بعضِ متمذهبي عصرِه، فيقول: "إذا ذُكِر لأحدِهم خلاف ما وطّن نفسَه عليه، تعجَّب منه غايةَ العجبِ، حتى ظنَّ أنَّ الحق منحصرٌ في مذهبِ إمامِه" (٤).

ويبيّنُ تقيُّ الدين بنُ تيمية أن غالبَ الخائضين في الفقهِ إنَّما يعرفُ أحدُهم مذهبَ إمامِه، ثمَّ قد يعلمُه على الجُمْلة، دونَ أنْ يميّزَ المسائلَ القطعيةَ، وما يسوغ فيه الاجتهادُ، وما انفردَ به إمامُه (٥).

ويقولُ الطوفيُّ: "غالبُ الفقهاءِ يتفاوتون في معرفةِ مذهبِ خصمِهم" (٦).

وفي اكتفاءِ المتمذهبِ بمذهبِ إمامِه، وبدليلِ قولِه نقصٌ بيّنٌ؛ فليس بإمكانِه حينئذٍ أنْ يرجِّح بين الأقوالِ، ولا أنْ يُزَيّفَ الضعيفَ؛ لعدمِ اطلاعِه على المذاهبِ الأخرى في الأصلِ.