Skip to content

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة العدد ١٥ - الدين والسنن الكونية

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Printed page ٦/ ٦٦

ومن ذلك الترهب بترك التزوج وتعاطي أسباب المعيشة للتفرغ إلى عبادة الله بزعم المنتحلين لذلك، وهذا من الجهل بسنة الله وفطرته ومحاولة تغييرها، وقد علمنا رسول الله ﷺ أن عبادة الله ليست منحصرة في الصيام والصلاة، بل كل قول أو عمل يراد به وجه الله هو عبادة، وقد أوجب الله على عباده واجبات كثيرة فمن ضيع بعضها كمن ضيع كلها، عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالها، وقالوا أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل أبدا ولا أنام، وقال الآخر وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر، وقال الآخر وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" رواه البخاري.

وإنما غضب النبي ﷺ على أولئك الرجال لأمور: منها أنهم جهلوا الأصل العظيم وهو أن كل قول وعمل يراد به وجه الله فهو عبادة، وذلك خطأ عظيم يجر صاحبه إلى الضلال، ومنها أنهم ظنوا أنهم أقوى على العبادة وأقدر عليها من النبي ﷺ وهذا الخطأ أعظم مما قبله، ومنها أنهم إذا شغلوا أنفسهم بنوع واحد من العبادة ضيعوا واجبات وحقوقا أخرى فكانوا كمن قضى الدين بالدين، وما أحسن قول الشاعر:

إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكن

قضاء ولكن ذاك غرم على غرم