Skip to content

البداية والنهاية - ت التركي ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا ﵁ بالعداوة والمخالفة

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Printed page ١٠/ ٥٧٨

أَشْقَاكَ! كَأَنِّي بِكَ قَتِيلًا تَسْفِي عَلَيْكَ الرِّيحُ. فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ مُحِقًّا كَانَ فِي الْمَوْتِ تَعْزِيَةٌ عَنِ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ قَدِ اسْتَهْوَاكُمْ. فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ يُحَكِّمَانِ أَمْرَهُمَا، وَفَشَى فِيهِمْ ذَلِكَ، وَجَاهَرُوا بِهِ النَّاسَ، وَتَعَرَّضُوا لِعَلِيٍّ فِي خُطَبِهِ وَأَسْمَعُوهُ السَّبَّ وَالشَّتْمَ وَالتَّعْرِيضَ بِآيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا قَامَ خَطِيبًا فِي بَعْضِ الْجُمَعِ فَذَكَرَ أَمْرَ الْخَوَارِجِ فَذَمَّهُ وَعَابَهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ كُلٌّ يَقُولُ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَهُوَ وَاضِعٌ أُصْبُعَهُ فِي أُذُنَيْهِ يَقُولُ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزُّمَرِ: ٦٥]. فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُقَلِّبُ يَدَيْهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: حُكْمَ اللَّهِ نَنْتَظِرُ فِيكُمْ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَنَا مَا لَمْ تَخْرُجُوا عَلَيْنَا، وَلَا نَمْنَعَكُمْ نَصِيبَكُمْ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَ أَيْدِينَا، وَلَا نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا.

وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي حُرَّةَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا بَعَثَ أَبَا مُوسَى لِإِنْفَاذِ الْحُكُومَةِ، اجْتَمَعَ الْخَوَارِجُ فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الرَّاسِبِيِّ فَخَطَبَهُمْ خُطْبَةً بَلِيغَةً زَهَّدَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَرَغَّبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَالْجَنَّةِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، ثُمَّ قَالَ: فَاخْرُجُوا بِنَا إِخْوَانَنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا، إِلَى جَانِبِ هَذَا السَّوَادِ إِلَى بَعْضِ كُوَرِ الْجِبَالِ، أَوْ بَعْضِ هَذِهِ الْمَدَائِنِ مُنْكِرِينَ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْجَائِرَةِ. ثُمَّ قَامَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: إِنَّ الْمَتَاعَ بِهَذِهِ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، وَإِنَّ الْفِرَاقَ لَهَا وَشِيكٌ، فَلَا