Skip to content

زهرة التفاسير ٣٢

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Printed page ٦/ ٢٨٢٠

فقال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) الاستفهام إنكاري لنفي الواقع لا لنفي الوقوع؛ لأنه وقع من المشركين، وإنكار الواقع توبيخ لهم على ما وقع.

وقد وقع في هذا بعض العرب، فطافوا عراة في المسجد الحرام، كما ذكرنا، وقد كان الأمر في الآية السابقة يأخذ الزينة في المسجد الحرام وعند كل مسجد، وفى هذه الآية يستنكر تحريم الزينة في المساجد وغيرها، وهي آمرة باتخاذ الزينة أمْر إباحة، وكان النبي ﷺ يتحمل في ثيابه، وإن كان يرقعها أحيانا (١)، وكان يحث أصحابه على أن يتخذوا أحسن الثياب حتى إذا أوشكت على البلى تصدقوا بها، وكان السلف من الصحابة والتابعين يعنون بثيابهم، وإذا كان قد روي عن عمر ﵁ أنه في مدة خلافته كان يلبس أحيانا ثوبا تعد رقعاته، فما ذلك لتحريم التجمل على نفسه، بل لمعنى في الحكم الآمر نفسه، فهو يقول: لا أكون أمير المؤمنين إن لم أعش كأضعف المؤمنين.

وكان علي بن أبي طالب إمام الهدى يعنى بثيابه ويتجمل بها، فلما ولي أمر المؤمنين كانت أول كلمة قالها: سأرفع من ثوبي ما كنت أجر.

وقوله تعالى: (الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)، أي أنه ﷾ مكن عباده من إخراجها ونسجها، وأنشأ لهم مصدر وجودها، فهو ﷾ هو الذي أنزل المطر بالماء العذب من السماء فكان النبات، وعاش بالنبات الحيوان، وكان من النبات القطن والكتان، وكان من الحيوان الصوف والوبر والشعر، وكان من كل ذلك اللباس والرياش، وما خلق ذلك عبثا، بل كان وفق ما سنه ﷾ ولا يليق بمؤمن أن يرد إنعام الله، ولقد قال ﷺ: " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " (٢). وكما استنكر القرآن الكريم الذي أنزله رب العالمين تحريم الزينة استنكر أيضا تحريم الطيبات، والطيبات هي الأطعمة التي تستلذ وتستطاب ما دامت لَا تضر الأجسام، وهي ضد الخبائث كما قال تعالى: (. . . وَيُحِلُّ لَهُمُ