فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب
(ثالثاً) لأنه ثبت بالسنة الصحيحة أن الذكر أنجى عملاً من عذاب الله تعالى:
(حديث معاذ بن جبل ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: ما عمل امرؤ بعمل أنجى له من عذاب الله ﷿ من ذكر الله.
فيه أن ذكر الله تعالى من أفضل الأعمال، وأنه ينجي من عذاب الله تعالى.
ثم ليعلم كل مسلم صادق أن المؤثر النافع، هو الذكر باللسان على الدوام مع حضور القلب، لأن اللسان ترجمان القلب؛ والقلب حافظة مستحفظة للخواطر والأسرار، ومن شأن الصدر أن ينشرح بما فيه من ذكر، ويلذ على اللسان، ولا يكتفي بمخاطبة نفسه به في خلواته حتى يفضي به بلسانه، متأولاً قول الله ﷿: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف:٢٠٥]
(فأما الذكر باللسان والقلب لاهٍ فهو قليل الجدوى:
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال ادعوا الله و أنتم موقنون بالإجابة و اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاه.
(وكذا حضور القلب في لحظة بالذكر، والذهول عنه لحظات كثيرة، هو كذلك قليل الجدوى، لأن القلب لا يخلو من الالتفات إلى شهوات الدنيا، ومن المعلوم بداهة أن المتلبس لا يصل سريعاً.
(ولذا فإن حضور القلب على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على غيره من العبادات، بل به تشرف سائر العبادات، وهو غاية ثمرات العبادات العملية، ولذا فإن رسول الله ﷺ حذر من أن تنفض المجالس دون أن يذكر الله ﷿ فيها
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثلِ جيفةِ حمار و كان لهم حسرة.
فهذا رسول الله ﷺ يمقت مجالس الغافلين، وينهى عن كل تجمع خلا من ذكر الله، وأن المجالس التي ينسى فيها ذكر الله وتنفض عن لغط طويل حول مطالب العيش وشهوات الخلق؛ في تهويش وتشويش وهمز ولمز، هي مجالس نتنة، لا شيء فيها يستحق الخلود، إنما الذي يخلد ما اتصل بالله ﷾.
(ولذا فقد حثنا صلوات الله وسلامه على كفارة المجلس: