ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين
تَقَدَّمَ (١) ذِكْرُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ.
وُلِدَ فِي ثَامِنَ عَشَرَ ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلى أَبِي مُحَمَّدٍ سِبْطِ الخَيَّاطِ وَغَيْرِهِ، وَبَكَّرَ بِهِ أَبُوْهُ فِي سَمَاعِ الحَدِيْثِ، فَأَسْمَعَهُ مِنْ أَبِي غَالِبِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي الحُسَينِ بنِ الفَرَّاءِ، وَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ الحَرِيْرِيِّ، وَأَبِي البَدْرِ الكَرْخِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَوَالِدِهِ صَالِحِ بنِ شَافِعٍ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ. وَطَلَبَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَلَازَمَ أَبَا الفَضْلِ بنَ نَاصِرٍ الحَافِظَ، حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَا كَانَ عِنْدَهُ، وَاخْتُصَّ بِصُحْبَتِهِ، وَكَانَ يَقْتَفِي أَثَرَهُ، وَيَسْلُكُ مَسْلَكَهُ، ثُمَّ أَكْثَرَ الأَخْذَ عَنْ أَصْحَابِ ابنِ البَطِرِ، وَطِرَادٍ (٢) وَطَبَقَتِهِمَا. وَبَالَغَ فِي الطَّلَبِ حَتَّى سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ بَيَانٍ، وَابْنِ نَبْهَانَ، ثُمَّ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ الحُصَيْنِ، وَابْنِ كَادِشٍ، وَطَبَقَتِهِمَا، وَلَمْ يَزَلْ مُشْتَغِلًا بِالطَّلَبِ وَالسَّمَاعِ، إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَحَصَّلَ الأُصُوْلَ الحِسَانَ، وَلَمْ يُحَدِّثْ إِلَّا بِاليَسِيْرِ؛ لأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَوَانِ الرِّوَايَةِ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ حَافِظًا، مُتْقِنًا، ضَابِطًا، مُحَقِّقًا، حَسَنَ القِرَاءَةِ، صَحِيْحَ النَّقْلِ، ثَبْتًا، حُجَّةً، نَبِيْلًا، وَرِعًا، مُتَدَيِّنًا، تَقِيًّا، مُتَمَسِّكًا بِالسُّنَّةِ، عَلَى طَرِيْقَةِ السَّلَفِ، وَصَنَّفَ "تَارِيْخًا" عَلَى السِّنِيْنَ، بَدَأَ فِيْهِ بِالسَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَهِيَ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، إِلَى بَعْدَ السِّتَيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، يَذْكُرُ السَّنَةَ وَحَوَادِثَهَا، وَمَنْ تُوُفِّيَ فِيْهَا، وَيَشْرَحُ أَحْوَالَهُمْ، وَمَاتَ وَلَمْ يُبَيِّضْهُ.