ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين
الشُّيُوْخِ بَعْدَ هَذِهِ الطَّبَقَةِ (١) قَرِيْبًا مِنْ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ قَارِئَ الحَدِيْثِ بِـ "دَارِ الحَدِيْثِ المُسْتَنْصِرِيَّةِ" مُدَّةً. ثُمَّ وَلِيَ المَشْيَخةِ بِهَا بَعْدَ وَفَاةِ الدَّوَالِيْبِيِّ المُتَقَدِّمِ ذِكْرَهُ. وَكَانَ يُقْرَأُ الحَدِيْثَ فِي "دَارِ الحَدِيْثِ" الَّتِي كَانَتْ تُعْرَفُ بِـ "مَسْجِدِ يَانِسٍ"، وَيَجْتَمِعُ عِنْدَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، يَبْلُغُوْنَ عِدَّةَ آلَافٍ، وَيَعِظُ بِهَا وَبَغَيْرِهَا، وَانْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمَ الحَدِيْثِ وَالوَعْظِ بِـ "بَغْدَادَ" وَلَمْ يَكُنْ بِهَا في وَقْتِهِ أَحْسَنُ قِرَاءَةً لِلْحَدِيْثِ مِنْهُ (٢)، وَلَا مَعْرَفَةً بِلُغَاتِهِ وَضَبْطِهِ، وَلهُ اليَدُ الطُّوْلَى فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، وإِنْشَاءِ الخُطَبِ وَالمَوَاعِظِ. كَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ مِنَ الفِقْهِ وَالحَدِيْثِ، وَلَهُ مُشَارَكَةٌ فِي الفِقْهِ، وَحَفِظَ "الخِرَقِيَّ" فِي صِغَرِهِ، وَكَانَ لَطِيْفًا، حُلْوَ النَّادِرَةِ، مَلِيْحَ الفُكَاهَةِ، ذَا حُرْمَةٍ وَجَلَالَةٍ وَهَيْبَةٍ، وَمَنْزِلَةٍ عِنْدَ الأكَابِرِ، وَجَمَعَ عِدَّة "أَرْبَعِيْنِيَّاتٍ" فِي مَعَارِفَ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَهُ كِتَابُ "مَطَالِعِ الأنْوَارِ فِي الأحْبَارِ وَالآثَارِ الخَالِيَةِ عَنِ السَّنَدِ وَالتِّكْرَارِ" وَكِتَابُ "الكَوَاكِبِ الدُّرِيَّةِ فِي المَنَاقِبِ العَلَوِيَّةِ" وَذَكَرَ أَنَّهُ جَمَعَ تَارِيْخًا وَلَمْ يُوْجَدُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ جَمَعَ كِتَابًا فِي الأسْمَاءِ المُبْهَمَةِ فِي الحَدِيْثِ، وَلَمْ يُوْجَدْ أَيْضًا، وَلَهُ شِعْرٌ كَثِيْرٌ، لَوْ جُمِعَ لَجَاءَ مِنْهُ "دِيْوَانٌ" (٣) تَخَرَّجَ بِهِ جَمَاعَةٌ