ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين
المَالِكِيَّةِ: لَمْ يَبْقَ بِـ "بَغْدَادَ" مَنْ يُرَاجَعُ فِي عُلُوْمِ الدِّيْنِ مِثْلَهُ.
قَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ، وَتَخَرَّجَ بِهِ أَئِمَّةٌ، وَأَجَازَ لِجَمَاعَةٍ، وَمَا أَظُنُّهُ حَدَّثَ. وَكَانَ فِي مَبْدَإِ أَمْرِهِ مُتَزَهِّدًا قَبْلَ دُخُوْلِهِ فِي القَضَاءِ، وَكَانَ ذَا جَلَالَةٍ وَمَهَابَةٍ، وَحُسْنِ شَكْلٍ، وَلِبَاسٍ وَهَيْئَةٍ، وَذَكَاءٍ مُفْرِطٍ، وَلُطْفٍ، وَكَيَسٍ، وَمُرُؤْةٍ، وَتَلَطُّفٍ بِالطَّلَبَةِ، وَعِفَّةٍ، وَصِيَانَة فِي حُكْمِهِ، وَرَكِبَهُ دَيْنٌ فِي آخِرِ عُمُرِهِ.
تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ ثَانِي عِشْرِيْنَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَسَبْعِمَائَةَ. وَصُلَّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِـ "المُسْتَنْصِرِيَّةِ". وَحَضَرَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَكَانَ يوْمًا مَشْهُوْدًا، وَكَثُرَ البُكَاءُ، وَالتَّأَسُّفُ وَالتَّرَحُّمُ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، قَرِيْبًا مِنَ القَاضِي أَبي يَعْلَى، رَحِمَهُمُ اللهُ تعَالَى.
وَلِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ "بغْدادَ" فِيْهِ مَدَائِحُ وَمَرَاثٍ كثِيْرَةٌ مِنْهُم الشَّيْخُ تقِيُّ الدِّيْنِ الدَّقُوْقِيُّ، مُحَدِّثُ "بَغْدَادَ". فَمِنْ قَوْلِهِ فِيْهِ مِنْ مَرْثِيَّةٍ لَهُ:
خَدِيْنُ التُّقَى مُذْ كَانَ طِفْلًا وَيَافِعًا … تَسَامَتْ بِه تَقْوَاهُ عَنْ كُلِّ مَأْثَمِ
لَقَدْ كَانَ شَيْخًا فِي الحَدِيْثِ بَقِيَّةً … مِنَ السَّلَفِ المَاضِيْنَ أَهْلِ التَّقَدُّمِ