ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين
ثُمَّ مَضَى إِلَى البَيْتِ، وَكَانَ صَائِمًا، فَأَفْطَرَ عَلَى شَيْءٍ يَسِيْرٍ، وَحَكَى عَنْهُ: أَنَّهُ جَاءَهُ المَوْتُ، جَعَلَ يَقُوْلُ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، بِرَحمَتِكَ أَسْتَغِيْثُ، فَأَغِثْنِي، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَتَشَهَّدَ وَمَاتَ ﵀. قَالَ: وَلَمَّا خَرَجَتْ جِنَازَتُهُ إِلَى الجَامِعِ اجْتَمَعَ خَلْقٌ كَثيْرٌ، فَمَا رَأَيْتُ الجَامِعَ إِلَّا كَأَنَّهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ كَثْرَةِ الخَلْقِ، وَتُرِكَتْ جِنَازَتُهُ فِي قِبْلَةِ الجَامِعِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ شَيْخُنَا، وَكَانَ المُعْتَمَدُ يَطْرُدُ النَّاسَ عَنْهُ، وَإِلَّا كَانُوا مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِ يُخَرِّقُوْنَ الكَفَنَ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى جِنَازَتِهِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا حَتَّى كَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَهْلَكُ، وَخَرَجَ إِلَى الجَبَلِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، مَا رَأَيتُ جَنَازَةً قَطُّ أَكْثَرَ خَلْقًا مِنْهَا، وَخَرَجَ القُضَاةُ وَالعُدُوْلُ وَمَنْ لَا نَعْرِفُهُمْ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ غَيرُ مَرَّةٍ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى.
وَقَالَ سِبْطُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: غُسِّلَ وَقْتَ السَّحَرِ، وَأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ إِلَى جَامِعِ "دِمَشْقَ" فَمَا وَسِعَ النَّاسَ الجَامِعُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ المُوفَّقُ بِحَلْقَةِ الحَنَابِلَةِ بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيْدٍ، وَكَانَ يَوْمًا لَمْ يُرَ فِي الإِسْلَامِ مِثْلَهُ، كَانَ أَوَّلُ النَّاسِ عِنْدَ "مَغَارَةِ الدَّمِ" وَ"رَأْسِ الجَبَلِ" إِلَى "الكَهْفِ"، وَآخِرُهُمْ بِـ "بَابِ الفَرَادِيْسِ" وَلَوْلَا المُبَارِزُ المُعْتَمَدُ وَأَصْحَابُهُ لَقَطَّعُوا أَكْفَانَهُ، وَمَا وَصَلَ إِلَى "الجَبَلِ" إِلَّا آخِرَ النَّهَارِ، قَالَ: وَتَأَمَّلْتُ النَّاسَ مِنْ أَعْلَى "قَاسِيُوْنَ" إِلَى "الكَهْفِ" قَرِيْبِ "المَيْطُوْرِ" (١) لَوْ رَمَى إِنْسَانٌ عَلْيْهِمْ إِبْرَةً لَمَا ضَاعَتْ.