Skip to content

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل قوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

عبد الله الزيد

Printed page ١/ ١١٦

أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا حَضَرُوا قِتَالَ بَدْرٍ لِيَنْظُرُوا عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ فَرَأَوُا الْمُشْرِكِينَ مثلي عدد المسلمين ورأوا النصر مَعَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً وَآيَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الرُّؤْيَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَهُ تَأْوِيلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَرَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْهِمْ كَمَا هُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قال ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣] وهم كانوا ثلاثة أمثال؟ قِيلَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ وَعِنْدَهُ دِرْهَمٌ: أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى مِثْلَيْ هَذَا الدِّرْهَمِ، يَعْنِي: إِلَى مثليه سواء، فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ أَنْفُسِهِمْ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى رَأَوْهُمْ سِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فِي حَالَةٍ أُخْرَى، حَتَّى رَأَوْهُمْ مِثْلَ عدد أنفسهم، ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى رَأَوْهُمْ عَدَدًا يسيرا أقل من أنفسهم، وقال بَعْضُهُمُ: الرُّؤْيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، يَعْنِي: يَرَى الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَيْهِمْ، قَلَّلَهُمُ اللَّهُ قَبْلَ الْقِتَالِ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ لِيَجْتَرِئَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَنْصَرِفُوا، فَلَمَّا أَخَذُوا فِي القتال كثرهم فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ، لِيَجْبُنُوا، وَقَلَّلَهُمْ في أعين المؤمنين ليجترؤوا، فذلك قوله تعالى: (وإذا يُرِيكُمُوهُمْ - إِذِ الْتَقَيْتُمْ- فِي أَعْيُنِكُمْ قليلا ويقللكم في أعينهم) . قوله تعالى: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] أَيْ: فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، نُصِبَ بنزع حرف الصفة ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ١٣] الَّذِي ذَكَرْتُ، ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] لِذَوِي الْعُقُولِ وَقِيلَ: لِمَنْ أَبْصَرَ الجمعين.

[١٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] جَمْعُ شَهْوَةٍ، وَهِيَ مَا تَدْعُو النفس إليه، ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] بَدَأَ بِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، ﴿وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ﴾ [آل عمران: ١٤] جَمْعُ قِنْطَارٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْقِنْطَارُ الْمَالُ الْكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، لكل أوقية أربعون درهما. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَالضَّحَّاكُ: أَلْفٌ وَمِائَتَا مِثْقَالٍ، وقال أبو نصرة: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. وَسُمِّيَ قِنْطَارًا مِنَ الْإِحْكَامِ، يُقَالُ: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَحْكَمْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَنْطَرَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُحَصَّنَةُ الْمُحْكَمَةُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْكَثِيرَةُ الْمُنَضَّدَةُ بَعْضُهَا فوق بعض. وقال يمان: هي المدفونة. وقال السدي: هي الْمَضْرُوبَةُ الْمَنْقُوشَةُ حَتَّى صَارَتْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُضَعَّفَةُ. فَالْقَنَاطِيرُ ثَلَاثَةٌ، وَالْمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ، ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قيل: سُمِّيَ الذَّهَبُ ذَهَبًا لِأَنَّهُ يَذْهَبُ ولا يبقى، والفضة فضة لِأَنَّهَا تَنْفَضُّ، أَيْ: تَتَفَرَّقُ،