البداية والنهاية - ط دار ابن كثير
فقاسيتُ منها ما علمتَ ولم أزلْ … أصارع حتى كدتُ بالموتِ أصرعُ
وكم أرجفوا منْ رجفةٍ قد سمعتها … ولو كانَ غيري طارَ مما يروّعُ
وكنت إذا هموا بإحدى هناتهم … حسرت لهمْ رأسي ولا أتقنَعُ
فلو لمْ يذد عني صناديد منهمُ … تقسمَ أعضائي ذئابٌ وأَضْبُعُ
قال: فكتب إليه عبد الملك: أن اعمل برأيك (١).
وقال الثوري: عن محمد بن المستورد الجُمَحي قال: أُتي الحَجّاج بسارق فقال له: لقد كنت غنيًا أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضوًا من أعضائك، فقال الرجل: إذا قل ذات اليد سخت النفس بالمتالف. قال: صدقت واللّه لو كان حسن اعتذار يبطل حدًا لكنتَ له موضعًا. يا غلام سيف صارم ورجل قاطع، فقطع يد (٢).
وقال أبو بكر بن مجاهد: عن محمد بن الجَهْم، عن الفَرّاء قال: تغدّى الحجاج يومًا مع الوليد بن عبد الملك، فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ (٣) فقال: يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت، ولكني أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح (٤) ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
وقال عمر بن شَبّة: عن أشياخه قال: كتب عبد الملك إلى الحَجّاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال، وسفك الدماء، ويقول: إنما المال مال الله ونحن خزّانه، وسيان منع حق أو إعطاء باطل. وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات:
إذا أنتَ لم تتركْ أمورًا كرهتها … وتطلب رضائي في الذي أنا طالبهُ
وتخشى الذي يخشاهُ مثلكَ هاربًا … إلى الله منهُ صَّيّعَ الدُّرَّ جالبهْ
فإنْ ترَ مني غفلةً قُرشيّةً … فياربما قد غصَّ بالماءَ شاربهْ
وإنْ ترَ مني وثبةً أمويةً … فهذا وهذا كله أنا صاحبهْ
فلا تعدُ ما يأتيكَ مني فإنْ تعدْ … تقمْ فاعلمنْ يومًا عليكَ نوادبه (٥)