Skip to content

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٧]

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي

أبو بكر الرازي الجصاص

Printed page ١/ ٢٤٥

احْتَاجَ فِي دُخُولِهِ فِيهِ إلَى نِيَّةٍ وَقَالَ مَالِكٌ مَا لَمْ يَكُنْ وُجُوبُهُ مُعَيَّنًا مِنْ الصِّيَامِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ وما كَانَ وُجُوبُهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ كَأَنْ يَعْلَمَهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ صَائِمًا وَاسْتَغْنَى عَنْ نِيَّةِ الصِّيَامِ بِذَلِكَ فَإِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فَصَامَ أَوَّلَ يَوْمٍ أَنَّهُ يُجْزِيهِ بَاقِيَ الْأَيَّامِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ إذَا نَوَاهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ أَجْزَأَهُ قَالَ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لَهُ أَجْرُ مَا يَسْتَقْبِلُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُحْتَاجُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ أَنْ يَنْوِيَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَجْزِيهِ نِيَّةُ صَوْمِ رَمَضَانَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِي كُلُّ صَوْمٍ وَاجِبٍ رَمَضَانَ وَغَيْرَهُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ وَيُجْزِي صَوْمَ التَّطَوُّعِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ فَأَمَّا الدَّلَالَةُ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ اكْتَفَى بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِلشَّهْرِ كُلِّهِ فَهُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ افْتِقَارِ صَوْمِ الْيَوْمِ الثَّانِي إلَى الدُّخُولِ فِيهِ وَالدُّخُولُ فِي الصَّوْمِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الْيَوْمِ الثَّانِي إيجَادَ النِّيَّةِ كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَإِنْ قِيلَ يَكْتَفِي بِالنِّيَّةِ الْأُولَى وَهِيَ نِيَّةٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ كما يتجزى فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَوَّلِهَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّة لِكُلِّ رَكْعَةٍ وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَتَخَلَّلُ رَكَعَاتِهَا صَلَاةٌ أُخْرَى غَيْرَهَا كَمَا لَا يَتَخَلَّلُ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامٌ مِنْ غَيْرِهِ قِيلَ لَهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِلشَّهْرِ لَجَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهَا لِعُمْرِهِ كُلِّهِ فَلَمَّا بَطَلَ هَذَا وَاحْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ لِأَوَّلِ يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّيَّةُ لِسَائِرِ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِسَائِرِ عُمُرِهِ وَأَمَّا تَشْبِيهُهُ بِالصَّلَاةِ فَلَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا اُكْتُفِيَ فِيهَا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَفْعُولٌ بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ فَكَانَتْ الرَّكَعَاتُ كُلُّهَا مَبْنِيَّةً عَلَى تِلْكَ التَّحْرِيمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَتَى تَرَكَ رَكْعَةً حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كُلُّهَا وَأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِأَنْ أَفْطَرَ فِيهِ لَمْ يَبْطُلْ عَلَيْهِ صَوْمُ سَائِرِ الشَّهْرِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِفِعْلِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى إذْ النِّيَّةُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِلدُّخُولِ فِيهَا فَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ اللَّيْلُ خَرَجَ مِنْ الصَّوْمِ وَلِذَلِكَ

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إذَا أَقْبَلَ الليل من هاهنا وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ)

فَاحْتَاجَ بَعْد الْخُرُوجِ مِنْ صَوْمِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى الدُّخُولِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِالنِّيَّةِ الْمُتَجَدِّدَةِ وَإِنَّمَا أَجَازَ أَصْحَابُنَا تَرْكَ النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْل فِي كُلِّ صَوْمٍ مُسْتَحَقِّ الْعَيْنِ إذَا نَوَاهُ قَبْلَ الزَّوَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] وَهَذَا قَدْ شَهِدَ الشَّهْرَ فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ مأمورا بصومه